الذي يسحق قرية فنترسدورب الواقعة في شمال غرب عاصمة دولة جنوب إفريقيا، وتبعد عنها نحو 200 كيلومتر، هو العنف العرقي المستتر.

هذا العنف كان أحد اختصاصات زعيم اليمين المتطرف في جنوب إفريقيا يوجين تير بلانش (69 سنة) المناصر الشرس للتمييز العنصري، وبدرجة أقل تاريخ شعب الأفريكانر، المتحدرين من المستوطنين الهولنديين والهوغونو الفرنسيين في جنوب إفريقيا، والذين كانوا يطالبون بحقهم في تقرير المصير.

في هذه المنطقة الزراعية قتل يوم السبت 3 أبريل الجاري، يوجين تير بلانش في مزرعته، بعد شجار مع اثنين من عماله السود (15 عاماً و21 عاماً)، في جريمة لا تبدو سياسية، لكنها حصلت في ظل توترات عرقية لا تزال حادة بعد 16 سنة من نهاية نظام التمييز العنصري.

في عام 1973 عندما منح رئيس وزراء جنوب إفريقيا آنذاك حقوقاً مدنية متواضعة للسكان «الملونين؟، والآسيويين، أسس يوجين تير بلانش عندما كان شرطياً، وستة من رفاقه «حركة مقاومة الافريكانر».

التي عرفت بعروضها على صهوات الخيول باللباس شبه العسكري وشعارها الذي يشبه الصليب النازي المعقوف، والتي جسدت الجناح المتشدد المؤيد لسيطرة إيديولوجية وسلطة الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا، ورفضت تقديم التنازلات للأكثرية السوداء من السكان، وعارضت الديمقراطية البرلمانية.

غير أن وصول الزعيم التاريخي نيلسون مانديلا إلى سدة الرئاسة في دولة جنوب إفريقيا بعد نيل حزب المؤتمر الوطني الإفريقي 2 . 62 في المئة من مجموع الأصوات أثناء الانتخابات الموّحدة الأولى في 27 أبريل 1994، ونهاية نظام التمييز العنصري بوصفه المرحلة الأخيرة لإزالة الاستعمار، فقدت «حركة مقاومة الافريكانر» الكثير من هيبتها، عندما اقتنع قسم من مناصريها أن العزلة العنصرية والكراهية كانتا أيضا منافيتين للعقل وغير واقعية.

وبعد سلسلة كاملة من الإخفاقات، قبل الانتخابات متعددة الأعراق لعام 1994، حاول قسم من مسؤولي هذه الحركة العنصرية استلام السلطة في أحد البانتوستنات، وهي دول ألعوبة مرتبطة بنظام التمييز العنصري، فكان مصيره هو القتل. وفي تلك المرحلة نفذت «حركة مقاومة الافريكانر» عدة تفجيرات في مناطق عديدة، بما فيها المطار الدولي لمدينة جوهانسبورغ.

وفي عام 2001، أدين زعيم الحركة تير بلانش بمحاولة قتل حارس أسود، بعدما انهال ضرباً عليه بقضيب حديد مسبباً له إصابات دائمة في الدماغ، فدخل السجن. ولم يفرج عنه إلا في سنة 2005 لحسن سلوكه. فانتهج منذ ذلك الوقت طريق الاعتدال أسوة بحركته، ولا سيما أن الماضي العنصري قد وليّ.

الآن مع مقتل يوجين تير بلانش، الخالق للأساطير العنصرية، والمنادي دائما بتفوق «العرق» الأبيض، والمندّد منذ نهاية نظام التمييز العنصري بـ «نير التفوق الأسود»، يتطلب هذا الوضع من دولة جنوب إفريقيا تجنب الوقوع في خطئين.

الأول: ويتمثل في ربط نظام التمييز العنصري بمجموع السكان الأفريكانر.

والثاني، ويتمثل في تداعيات مقتل يوجين تير بلانش، لجهة بروز اعتقاد بأن هناك تهديداً أصبح ماثلاً على بيض جنوب إفريقيا عامة، وعلى الأفريكانر خاصة.

العقلاء في دولة جنوب إفريقيا، يقولون: يجب قتل هذا الخوف في مهده.

ورغم الجهود المبذولة منذ عام 1994، لإرساء نظام ديمقراطي على الطريقة الغربية، ومكافحة الجريمة والفساد والتمييز العنصري، فإن الإجرام بات إحدى آفات «أمة قوس القزح»، ولا سيما أن ضحايا هذا الإجرام موزعون بين البيض والسود.

وقد انعكس هذا الوضع الأمني غير المستقر ازدهاراً عند شركات الحراسة الخاصة. فكل منازل البيض الميسورين مجهزة بأنظمة إنذار. وفي الجانب الآخر، هناك العنف الناجم عن تفاقم الوضع الاقتصادي في البلاد، وعدم حل المسألة الزراعية والمتمثلة في توزيع الأراضي على الفلاحين السود، السكان الأصليين للبلاد، منذ نهاية «الأبارتايد».

هذه العوامل تغذي التوترات العرقية بين البيض والسود، فهناك أصحاب مزارع كبيرة من البيض يقتلون في أراضيهم، وهناك عمال سود يعاملون بطريقة سيئة في تلك المزارع.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org