لا شك أن الأحداث التي شهدتها قرغيزيا أثارت تساؤلات عديدة حول حقيقة الأوضاع في دول وسط آسيا، والتي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي تعاني من أزمات مستمرة.
ولعل خروج المعارضة لشوارع المدن القرغيزية والإطاحة بالرئيس كرمان بيك بيكايف خلال أيام معدودة، دفعا العديد من المحللين للبحث عن تأثيرات خارجية، وعن دور لقوى مجاورة.
ولا يمكن تجاهل حقيقة ملموسة، وهي أن التطورات التي شهدتها قرغيزيا يمكن أن تكون في صالح سياسات روسيا في مناطق وسط آسيا. باعتبار أن الرئيس المخلوع كرمان بيك بيكايف كان ينتهج سياسة التوازنات والتسويات مع كافة الأطراف الدولية.
فقد عقد اتفاقا مع الكرملين تضمن حصوله على قروض بتسهيلات كبيرة وصلت إلى مليار ونصف المليار دولار، بالإضافة لمعونات تقدر بحوالي خمسمئة مليون دولار.
واستخدم المنحة الروسية لمساومة الأميركيين على رفع إيجار قاعدة ماناس الجوية. وهو يدرك أن موسكو لا ترغب في بقاء هذه القاعدة في وسط آسيا. بل إنه ـ وفق مصادر قرغيزية ـ بدأ مباحثات لتأجير قاعدة ثانية للقوات الأميركية.
وقد تكون سياسات وتحركات الرئيس القرغيزي المخلوع سببا في اعتراض موسكو عليه. إلا ان هذا الاعتراض ليس كافيا للإطاحة به. ولعل بقاء الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي على رأس السلطة في جورجيا حتى يومنا هذا، رغم رفض روسيا العلني للتعامل معه، بل وادانته كمجرم حرب، يكشف عن أن موسكو لا تلجأ لهذه الأدوات.
المشكلة تكمن إذا في أن الرئيس القرغيزي المخلوع بيكايف والذي كان يحصل على دعم من الشرق والغرب، ويسيطر على كافة مفاصل السلطة في قرغيزيا عبر تعيين أقاربه في المناصب السيادية، لم يكن يحاول تحسين الأوضاع المعيشية للمواطن القرغيزي.
بل انه لم يهتم كثيرا بإنقاذ الاقتصاد القرغيزي من أزماته وضربات الأزمة المالية العالمية. وعندما وجهت المعارضة انتقادات حادة لسياساته، وطالبته بالعمل على إنقاذ اقتصاد البلاد من الانهيار وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، قام باعتقال كل قادتها.
ورغم أن الحكومة القرغيزية تحصل سنويا على حوالي أربعمئة مليون دولار من واشنطن كمعونات ونظير استئجار قاعدة ماناس الجوية، إلا أن سوء الوضع الاقتصادي دفعها لطلب مساعدة مالية صيف العام الماضي من صندوق مكافحة الأزمة التابع للمجموعة الاقتصادية الأوراسية بمقدار 160 مليون دولار.
وذلك بعد أن وقعت اتفاقا مع موسكو يقضي بحصولها على مساعدات مالية تصل إلى خمسمئة مليون دولار. ولا شك أن هذا الوضع يطرح تساؤلا حول مصير هذه الأموال التي تزيد قيمتها على مليار دولار، كان يمكن أن تحقق نهضة حقيقية في الأوضاع المعيشية لسكان قرغيزيا.
ويعتقد الرئيس الكازخي نور سلطان نزاربايف أن حكام قرغيزيا وخلال السنوات الماضية عجزوا عن إصلاح الأوضاع الاقتصادية خاصة أنها تفتقد للموارد الطبيعية، لا تطل قرغيزيا على البحار. وتحتل الجبال أكثر من ثلاثة أرباع أراضيها لذا لا تصلح للزراعة.
ورغم وجود طاقة مائية تستطيع سد خمسين بالمئة من الاحتياجات إلا أن المستغل منها هو عشرة في المئة فقط. وكان لا بد من أن يقود تدهور الأوضاع الاقتصادية في قرغيزيا، بالإضافة لسياسة قمع المعارضين، التي كان يمارسها الرئيس المخلوع بيكايف إلى انفجار شعبي ضد هذه الحكومة.
لقد استنفد الرئيس المخلوع كرمان بك بيكايف كل أرصدته لدى المواطنين القرغيزيين، الذين أوصلوه لمنصب الرئاسة عام 2005، عندما قامت ثورة السوسن بعد أزمة حادة للسلطة وقعت بعد إجراء الانتخابات البرلمانية وأسفرت عن وقوع اضطرابات شعبية في الأقاليم الجنوبية الفقيرة.
حيث جرت المظاهرات الجماهيرية الواسعة بمشاركة ممثلي مختلف الأحزاب. وتمخضت الانتفاضة آنذاك عن إسقاط نظام الرئيس عسكر آكايف. فصعدت المعارضة برئاسة كرمان بيك باقييف إلى السلطة في بيشكيك. ووقع الرئيس عسكر آكايف الذي فر من البلاد بعد فترة بيان استقالته الطوعية من منصب الرئاسة.
إلا أن كرمان بيك بيكايف لم ينفذ وعدا واحدا من وعوده، بل واستمر على نفس النهج الذي سار عليه سلفه عسكر آكايف، واستخدم أسلوب قمع المعارضة لضمان بقائه في السلطة.
لذا من الصعب الحديث عن أيد روسية في عملية إسقاطه، لأن المواطنين القرغيزيين هم من فعلوا ذلك ومن أجل تحقيق مصالحهم.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني