خلال سنوات ما بعد تولي «بوتين» رئاسة الدولة الروسية الاتحادية، ثم تباعاً رئاسة الوزراء متجاوراً مع زميله «ميدفيديف» نعمت روسيا بقدر كبير من الاستقرار والنماء، وأعادت ترتيب أولوياتها، وأفلحت في محاصرة سلسلة من المشاكل في الاتحاد.
وخاصة مشاكل القوقاز والشيشان، وفاضت بحضور متجدد في العالم، وذلك عطفاً على استراتيجية إحياء تقاليد الدبلوماسية السوفييتية السابقة، والتركيز على الجنوب العالمي، وتدوير جملة الاتفاقات والمعاهدات التاريخية التي ورثها الاتحاد الروسي.
لكن روسيا وبالرغم من تلك المنجزات المشهودة واجهت مشاكل أساسية أبرزها التمدد الأميركي المتصاعد في العمق التاريخي والجيوسياسي الروسي ممثلاً في بلدان شرق أوروبا السابقة.
وقد تمثّل هذا التمدد من خلال تشجيع الولايات المتحدة لضم مجموعة من دول شرق أوروبا إلى حلف شمال الأطلسي، ثم نشر الدرع الصاروخية في بولندا، وأخيراً وليس آخر تشجيع المد اليميني في أوكرانيا وجورجيا.
وصولاً إلى الدور المريب الذي لعبته جورجيا بالتنسيق مع إسرائيل، وهو الدور الذي أفضى إلى وجود جنرالات إسرائيليين يساعدون الجيش الجورجي على إقلاق موسكو ووضع خنجر بخاصرتها.
الأمر الذي أدركته موسكو وصبرت عليه حتى وقع الرئيس الجورجي اليميني شكسفيلي بشر أعماله عندما شن حملة عسكرية ضد اوسيتيا الجنوبية ضارباً عرض الحائط باتفاق التفاهم الروسي الجورجي.
بوقوع شكسفيلي في المصيدة وجدت موسكو الذريعة الكافية لتشن حملة متعددة الأهداف ضد جورجيا، وكانت النتيجة تكريس انفصال اوسيتيا الجنوبية، ومحاصرة جورجيا التي اكتشفت على حين غفلة من الدهر أن وعود أميركا وإسرائيل تبخّرت أمام الصخرة الروسية.
كانت الحرب الجورجية الروسية مناسبة استثنائية لكي تستعيد موسكو مكانتها المركزية في الحياة الدولية، والشاهد أن هذه الحملة فعلت فعلها في الداخل الجورجي والاوكراني.
وأفسحت الطريق للوسطيين الاشتراكيين القائلين بعدم التهور والاندفاع في السياسات اليمينية المغامرة، وبالمقابل وجدت الإدارة الأميركية نفسها في موقف لا تحسد عليه، فلا هي قادرة على مساعدة من راهنوا عليها، ولا هي تقوى على الدخول في اشتباك عسير مع روسيا .
تالياً واستتباعا للحرب الروسية الجورجية التي أخرجت اوسيتيا الجنوبية من دائرة جورجيا بدأت متوالية متغيرات لافتة في منظومة البلدان التي خرجت من رحم الاتحاد السوفييتي السابق فيما سمي لاحقاً باتحاد الجمهوريات المستقلة.
ووجدت جل هذه البلدان أن مصالحها الحيوية مترابطة مع موسكو، وأن إحياء الكومنولث الذي يضم هذه البلدان سيأتي بفوائد جمّة لصالحها.
على خط الشرق الأوسط تمكّنت روسيا من انتزاع نجاح دبلوماسي مشهود من خلال اجتماع اللجنة الرباعية التي أفصحت عن ما لم تكن تفصح عنه، ووضعت النقاط على الحروف فيما يتعلق بعدم شرعية إقامة المستعمرات في الأرض الفلسطينية المحتلة.
وكانت النتيجة أن وجدت الإدارة الأميركية نفسها أمام استحقاق باهظ، خاصة وأنها أصرت على التفرُّد بأوراق الحل والعقد، لكنها لم تتمكن من مغادرة تماهيها السلبي مع الإرهاب السياسي اليهودي المدجج بالأساطير والخرافات.
ما سبق من إشارات حول روسيا المتجددة والمنعتقة من مرحلتي غورباتشوف ويلتسن أبرز حقيقة موضوعية طالما خبتْ وتلاشت دون مبرر مقنع، لكن دوائر الاستحواذ على مصائر البشرية لم يرضها ذلك، وبدأت انعطافة تراجيدية التبست هذه المرة بالتفجيرات الإرهابية التي طالت عدة أماكن في روسيا.
وبدت كما لو أنها رد ضمني على نجاح معاهدة ستارت 2 للحد من الأسلحة النووية، كما بدت بوصفها بداية متاهة تستهدف إرهاق النجاحات الروسية وتمدد دبلوماسيتها ومصالحها غرباً وجنوباً.
التفجيرات الإرهابية التي يتم تقديمها ضمن إطار التعميم النمطي للإسلام السياسي تثير أسئلة كثيرة، وقد عرفت الدوائر العليمة بموسكو بأن وراء الأكمة ما وراءها، خاصة عندما يموت القاتل والقتيل، ويتم الباس الفعل الإجرامي طابعاً بذاته.
ولهذا السبب سارع الرئيس الروسي ميدفيديف إلى لجم التفلُّت الإعلامي مطالباً الإعلام بعدم تهييج الشارع، وانتظار نتائج التحقيقات لمعرفة الفاعل الحقيقي وأهدافه.
يبدو لي أن محطة جديدة في التعامل مع التفجيرات الإرهابية ستتبلور، وذلك عطفاً على الأخطاء المفضوحة للغرف السرية العالمية التي تحرك هذه المحنة، وستثبت الأيام أن ما جرى ويجري في عالم ما بعد التوازن الكوني والحرب الباردة يتم صياغته بمنطق مغالب لحقائق التاريخ والجغرافيا.
كاتب وباحث يمني