جاء في التقارير الاقتصادية ليوم الجمعة أن هيئة الاستثمار والتطوير الماليزية MIDA وشركة Biotech Corp وقعتا مع شركة BIOME الخليجية ومركزها البحرين مذكرة تفاهم حول مشروع الاقتصاد المعرفي في ماليزيا.
وتعقد الآمال على أن يصبح مثل هذا المشروع محركا هاما للاقتصاد الماليزي ولدول أخرى.
تعنى مشروعات الاقتصاد المعرفي بتكامل العلوم المعرفية والتطبيقات في مختلف القطاعات وخصوصا مجالات النانوتكنولوجيا (التكنولوجيات المصغرة) والبايوتكنولوجيا (التكنولوجيا الحيوية) ودور هذه التكنولوجيات في تطوير قطاعات اقتصادية كالزراعة والعمليات الصناعية كالطاقة وتحلية المياه والصناعات الدوائية وأشباه الموصلات والمعالجات الحاسوبية السريعة.
وكذلك البيئة ومشاريع البنية التحتية إلى جانب تطوير التعليم والكوادر المهنية وكامل المجتمع.
وقد بينت التجربة الأوروبية حسن مردود مثل هذا المشروع الذي خلق سوقا بـ 5,1 تريليون دولار وحوالي 22 مليون فرصة عمل.
وفي عام 2003 قدرت استثمارات عدد من الحكومات وكبريات الشركات حول العالم بستة مليارات دولار في صناعات النانوتكنولوجيا. هذه الصناعة في طريقها لأن تغير طبيعة السلع من حيث أحجامها وسرعاتها وإنتاجيتها وأدائها، وتغير معها معالم حياتنا الحالية.
كما أن هذا القطاع سريع التفاعل والتداخل مع صناعات المعرفة الأخرى. فالصين نفذت الآن من النانوتكنولوجيا إلى البايونانوتكنولوجيا.
ومع ذلك فقد بقيت منطقة الخليج بعيدة عن إدخال اقتصاد المعرفة في اقتصادها الوطني. ومنذ منتصف تسعينات القرن الماضي كانت إيران هي الدولة الوحيدة في منطقة الخليج التي طورت صناعة شبه الموصلات قبل أن تقدم دبي على فتح «وادي السلكون».
ومنذ الربع الثالث من عام 2003 أعلنت إسرائيل أنها تسعى بالتعاون مع عدد كبير من الشركات الغربية إلى أن تصبح قوة نانوتكنولوجية كبرى وأنها تعيد توجيه قاعدتها العلمية باتجاه هذا المجال من اقتصاد المعرفة.
أما ماليزيا فأدركت منذ بداية الألفية أهمية إدخال اقتصاد المعرفة في اقتصادها الوطني بقوة. واتجهت إلى التعاون مع روسيا آخذة في الاعتبار وجود قاعدة علمية تكنولوجية روسية متطورة في الوقت الذي كانت تعاني روسيا من مشاكل في تمويل المشاريع، الأمر الذي غطته ماليزيا.
الآن تقلب ماليزيا تجربتها بحنكة. فبعد أن قطعت شوطا في اقتصاد المعرفة بدأت هي تبحث عن التمويل في منطقة الخليج لبناء مشاريع أكثر تقدما في مجالات الاقتصاد المعرفي.
وهكذا جاءت الصفقة الكبرى التي تحدثنا عنها بداية. جيد أن يتزاوج المال الخليجي والتكنولوجيا الماليزية في تطوير الاقتصاد المعرفي في ماليزيا، شريطة ألا تقتصر المساهمة الخليجية في جوانب المال والإدارة دون الأبحاث والتطوير والتطبيق. لكن ماذا عن الخليج نفسه؟
تعمل بلدان مجلس التعاون الخليجي والبحرين على وجه الخصوص منذ مدة على تطوير نظم التعليم والتدريب فيها.
وإذا كان المطلوب من نظام التعليم والتدريب أن يؤمن قاعدة علمية معرفية وخبرة عملية لتوطين المعرفة والتكنولوجيا، فيجب أن تؤمن الاستثمارات أصلا نقل التكنولوجيات الحديثة وتحديث كامل القاعدة المادية التكنولوجية لكامل قطاعات الاقتصاد وإعادة بنائها وتوازناتها.
بهذا سيتوافر الشرطان الأساسيان لرفع إنتاجية العمل الاجتماعية وتحسين القدرة التنافسية للمنتج الخليجي.
وباعتقادنا فإن الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة على منطقة الخليج ليست معنية بحل هذه المشكلة.
فمن جهة كشف تقرير الاستثمار الأجنبي المباشر الذي أصدره توا مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» أنه بسبب الأزمة العالمية تراجع مؤشر تدفق هذه الاستثمارات في عام 2008 بنسبة 39% على المستوى العالمي، أما بالنسبة لدول غرب آسيا التي تضم دول مجلس التعاون الخليجي فتراجعت بنسبة زادت عن 43%.
وتوقع تقرير المؤسسة العربية للاستثمار تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر على الدول العربية في عام 2009 بما يصل إلى 30%. من جهة أخرى، ورغم توقعات «الأونكتاد» بعودة هذه الاستثمارات إلى الارتفاع ابتداء من عام 2011.
إلا أن معطيات السنوات الماضية تؤكد أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تركز أساسا على استخراج النفط والغاز بدرجة رئيسية، ثم على الصناعات التحويلية الأخرى والاتصالات، وليس على قطاعات الاقتصاد الحيوية بما فيها اقتصاد المعرفة.
هذه المعادلة تطرح على صانع القرار الاقتصادي الاستراتيجي مهمة غاية في الوضوح، لكن صعبة التطبيق، وبحاجة إلى قرار سياسي ربما تعترضه المصالح الآنية والضيقة الأفق للمستثمر المحلي الخاص في كثير من الأحيان.
إذا كنا نتحدث عن تنويع وتحديث الاقتصاد الوطني ورفع إنتاجيته وتنافسيته وفي الوقت نفسه عن زيادة دور القطاع الخاص حتى الريادية، إذن، فلتدمج هاتان المهمتان : ليستثمر القطاع الخاص بمفرده أو ليشترك مع الدولة في خلق قطاعات اقتصاد المعرفة.
بدلا من مجرد الاستفادة من خصخصة المشاريع القائمة التي صرفت عليها الدولة لسنين، وخصوصا تلك المتعلقة بالخدمات الاجتماعية.
وليبن الخليجيون مثل هذه المشاريع في بلدانهم قبل غيرها. هنا سيلعب القطاع الخاص دوره الوطني حقا.
كاتب بحريني