الإجماع القيادي السياسي الأمني هناك في «إسرائيل» في مسألة النووي الإسرائيلي على سياسة الضبابية وعدم الإعلان أو الاعتراف بحيازة «إسرائيل» للسلاح النووي، لا يلغي الحقيقة السافرة بان تلك الدولة تمتلك هذا السلاح منذ عقود طويلة.

فكما هو معروف تعتبر المؤسسة الأمنية / السياسية الإسرائيلية الغموض بشأن امتلاكها السلاح النووي رادعا بحد ذاته، ورغم أن الصحافة الغربية أعدت عشرات التقارير خلال العقود الماضية عن برنامج «إسرائيل» وقدرتها النووية إلا أن «إسرائيل» الرسمية لم تعترف بذلك.

وفضلت الصمت وعدم الاعتراف بشكل علني وإتباع سياسة الغموض، وأصبحت هذه السياسة تقليدا إسرائيليا توارثته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وتقيدت به، وأصبح الحديث به من المحرمات، ولا تزال «إسرائيل» تتبع ذات السياسة الضبابية حيال امتلاكها السلاح النووي.

لم تتوقف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة عن اعلانها تمسك «إسرائيل» بسياسة الغموض النووي حتى الى ما قبل مؤتمر واشنطن الذي يعقد اليوم، اذ أعلنت احتفاظها بسياسة الغموض حيال ترسانتها النووية.

فقال نائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني ايالون قبيل المؤتمر بأيام فقط» إن إسرائيل ستبقي، بدعم الولايات المتحدة، على سياسة الغموض بشأن مسألة السلاح النووي».

وأضاف لإذاعة الجيش «أن سياسة الغموض هذه تشكل أحد أسس الأمن القومي الإسرائيلي وتعتبرها الولايات المتحدة بالغة الأهمية، ما من سبب يدعو الأميركيين إلى تغيير موقفهم أو يستدعي تغيير الموقف «الإسرائيلي».

وسياسة الغموض هذه ليست إسرائيلية القرار فقط، وانما بالتفاهم والتنسيق مع الادارة الاميركية، فكشف المحلل الوف بن في ؟ هآرتس،عن ذلك في مقال نشره تحت عنوان:» بطاقة عضوية في النادي..».

جاء فيه: «كلما تقدمت إسرائيل في مشروعها النووي باتت اميركا تميل لها أكثر وتوافق على مساعدتها بالسلاح، بالمال وبالدعم السياسي، وبالمقابل، تعهدت إسرائيل منذ 1969 «بالغموض» وعدم كشف قدراتها وعدم اجراء تجربة نووية،. وقد ولدت هذه السياسة من قبل، وهي اليوم تقبع في أساس علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة».

وجاء في وثيقة أميركية كشف النقاب عنها في صيف عام 1974 وصنفت على أنها «سرية للغاية» في أرشيف السي آي إيه، «إننا لا نتوقع أن يقوم الإسرائيليون بتأكيد هذه الشكوك المنتشرة بشأن قدراتهم، سواء في التجربة النووية أو في التفعيل، إلا إذا كان هناك خطر شديد على قيام الدولة».

واليوم- عندما يقرر نتانياهو، إلغاء مشاركته في المؤتمر الدولي لمنع انتشار الاسلحة النووية في واشنطن، فإن ذلك يتعلق مباشرة بالسياسات الإسرائيلية الضبابية ذاتها في المسالة النووية.

اذ جاء «أن السبب في إلغاء المشاركة هو معلومات وصلت إسرائيل مفادها أن مصر وتركيا إضافة إلى عدد من الدول الإسلامية تنوي استغلال القمة من أجل القيام بحملة تهدف إلى فرض الرقابة الدولية على المفاعلات النووية الإسرائيلية».

وفي أعقاب ذلك توصل نتانياهو إلى نتيجة أنه لا يمكن ردع هذه الحملة ضد إسرائيل، وأن مسألة البرنامج النووي الإسرائيلي سوف تتحول إلى أحد المواضيع المركزية في القمة، الأمر الذي يشرح تماما خلفية رفضه المشاركة في المؤتمر.

ورغم سياسة «الضبابية النووية» التي تنتهجها «إسرائيل»، الا انه بين الفترة والأخرى تنتشر في العالم ترجيحات حول الترسانة النووية الإسرائيلية من أبرزها ما جاء في كتاب الصحافي الأميركي «رؤوبين سكارابورو» الذي كشف «أن تل أبيب تمتلك 80 رأسا نوويا، كما قدرت وسائل إعلام غربية حيازتها ل200 قنبلة نووية».

الى ذلك، هناك، بعض «زلات اللسان» الإسرائيلية كما يطلقون عليها، التي كانت قد بددت جزئيا هذه الضبابية حتى باتت بمثابة أمر ذائع، فرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أولمرت «زل لسانه» في عهده حول امتلاك «إسرائيل» للنووي، اذ هدد ايران بمحوها عن وجه الارض، فتوالت التصريحات الإسرائيلية المنتقدة والغاضبة..

فقال: «زلة اللسان التعيسة في ألمانيا تمس 50 عاما من سياسة الغموض في إسرائيل»، وقال عضو الكنيست أرييه إلدار-إيحود ليئومي- مهددا: «إذا كانت أقوال أولمرت تعبر عن تغيير في السياسة وليست زلة لسان يتعين عليه أن يوجه رسالة واضحة إلى العالم الحر: إذا لم توقفوا إيران.

نحن سنوقفها بأي ثمن»، وقال شمعون بيريز، في سياق تعقيبه امام النادي الاقتصادي في تل ابيب على ما اعتبره زلة لسان أولمرت حول السلاح النووي الإسرائيلي: «ينبغي أن نبني قوتنا دون أن نهدد أحدا، أنا مع الغموض، وأنا الذي صغته، يعتقدون أن لدينا قنبلة فليعتقدوا».

ولكن- تعزيزا ل«زلة لسان» اولمرت النووية كشفت مجلة عسكرية إسرائيلية النقاب عن «أن خبراء ذرة في دولة «إسرائيل» اعترفوا بأن تل أبيب تملك من 150-200 رأس نووي متفجر»، ونشرت المجلة الشهرية العسكرية «جينز» أن خبراء بالذرة قالوا «إن إسرائيل تملك من 150 - 200 رأس متفجر نووي».

والحقيقة الكبيرة هنا في قصة «زلة لسان اولمرت النووية» انها لم تكن الا «زلة مخططة مقصودة» سقطت وفق حسابات واعتبارات إسرائيلية ؟ اميركية تتعلق عمليا بالتطورات الاستراتيجية في المنطقة، وتتعلق على نحو خاص ومحدد بالتهديدات الايرانية الابادية الصريحة للوجود الإسرائيلي ...

وفي هذا الصدد تحديدا، ربما يكون المؤرخ إلإسرائيلي «امنون راز» ادق من تحدث عن الطبيعة الاجرامية الارهابية ل«إسرائيل» كما هي عليه اليوم، حين وصفها قائلا: «أن إسرائيل مملكة صليبية جديدة مختلفة عن الممالك الصليبية التاريخية بحيازتها قنبلة نووية»، ودعا إلى «تفكيكها بأساليب ذكية».

وفي مسالة التفكيك ربما تكون هنا مصداقية إدارة الرئيس أوباما على المحك بشأن النووي الإسرائيلي: فعلى الإدارة الأميركية أن تتعامل مع الملف النووي الإسرائيلي، كما تتعامل مع الملفات المشابهة.

فإسرائيل دولة غير مسؤولة، والحكومة الإسرائيلية القائمة، من أكثر حكومات العالم تحريضا على إشعال نيران الحروب، وهي الأكثر استعداداً لشنّ مثل هذه الحروب في المنطقة.

ولكن - تبقى الكرة هنا في مسالة «النووي الإسرائيلي» في الملعب العربي اولا قبل الاممي، فعلى العرب ان يراجعوا استراتيجياتهم النووية والصراعية والتفاوضية في مواجهة العجرفة والعدوانية الإسرائيلية..!

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com