إن توقيع الرئيس الأميركي باراك أوباما مع الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف على اتفاقية جديدة الأسبوع الماضي لتقليص الترسانة النووية لدى البلدين إنما هي خطوة جديدة في العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا تُدخل البلدين في مرحلة من الانفراج السياسي.
وتعيد الذاكرة إلى فترة الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم عندما شهدت تلك الفترة مرحلة من الانفراج السياسي بينهما تمثلت في التوقيع على العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الهامة كمعاهدة منع التجارب النووية ومعاهدة منع الانتشار النووي ومعاهدة الفضاء الخارجي ومعاهدة تخفيض الأسلحة الإستراتيجية (سولت 1) ومعاهدة تخفيض الأسلحة الإستراتيجية (سولت 2) ومعاهدة الأسلحة البيولوجية ومعاهدة الصواريخ الباليستية.
اليوم تدخل العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا في فترة من الانفراج السياسي بدأت منذ مجيء الرئيس باراك أوباما إلى سدة الحكم في واشنطن عام 2009؛ أوباما الذي أتى بسياسة مغايرة عن سياسة التحدي والمواجهة التي اتبعها سلفه الرئيس جورج بوش الابن إنما أصبح يؤمن بأهمية إشراك القوى الرئيسية في العالم في مسعى الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها الدولية لاسيما فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب ومنع انتشار السلاح النووي.
إن الاتفاقية النووية الجديدة ورغم أهميتها العسكرية إلا أن مغزاها السياسي يفوق كل ما يمكن أن تكون عليه في المجال العسكري. فهي من الناحية العسكرية لا تقلل من مكانة الدولتين بل تبقي على تفوقهما في المجال النووي على باقي دول العالم؛ إلا أن الأمر الهام هو المغزى السياسي من الانفراج بين البلدين.
الرئيس الأمريكي ينظر إلى التقارب السياسي مع روسيا أمر ضروري في هذه المرحلة الهامة من مراحل السياسة الخارجية الأمريكية لاسيما بعد أن أنهى الرئيس صراعه الداخلي حول برنامجه الصحي لصالحه.
اليوم يبدأ الرئيس الأمريكي النظر إلى الخارج وبالأخص نحو إيران وربما كوريا الشمالية وهو على علم أنه بحاجة إلى روسيا كلاعب دولي لا يمكن لأي مسعى دولي موجه ضد مثل تلك الدول أن ينجح من دون تعاون موسكو.
روسيا هي المفتاح الذي يمكن للولايات المتحدة أن تواجه به إيران في هذه الفترة الحرجة التي وكما يبدو قد استُنزفت من خلالها كل المساعي الدبلوماسية من دون تحقيق نتيجة تُذكر مع إيران، ولم يبق أمام الرئيس الأميركي إلا التشدد في مجال فرض العقوبات.
الولايات المتحدة ومعها حلفاؤها الغربيون يدفعون هذه الأيام نحو فرض عقوبات مشددة على إيران بسبب برنامجها النووي ويعلمون أن نجاح هذا الأمر يتوقف على الدعم الروسي بالذات حيث إن وقوف روسيا مع مثل هذا المسعى من شأنه أن يجعل الدول الأخرى لاسيما الصين أقل تشدداً في معارضته والوقوف في وجهه.
فالصين دولة تريد أن تُبرز نفسها على أنها دولة مسؤولة وأنها مع المساعي الدولية ولا تقف في وجه الإجماع الدولي وبالتالي إبراز نفسها على أنها ليست دولة يجب أن يخشاها المجتمع الدولي بل هي دولة عادية يجب أن يتعامل معها الجميع بشكل اعتيادي.
فالرئيس أوباما يدرك أهمية روسيا وأهمية التقارب السياسي معها من أجل تحقيق أهداف إدارته في التعامل مع ملفات أخرى كملف البرنامج النووي الإيراني، وبالتالي فإن الانفراج السياسي في العلاقة مع روسيا أمر في غاية الأهمية بالنسبة للإستراتيجية التي يمشي عليها الرئيس الأمريكي.
فروسيا ليست فقط المفتاح نحو إنجاح خطة فرض العقوبات على إيران بل هي أيضاً المفتاح نحو فتح الباب أمام الدول ألأخرى لاسيما الصين كي تحذو حذو روسيا وتتعاون مع الولايات المتحدة في مجال السلاح النووي والضغط على كل من إيران وكوريا الشمالية للتعاون مع المجتمع الدولي.
من جانب أخر فإن الرئيس الروسي لديه أهدافه هو أيضاً في التقارب مع الولايات المتحدة، فهي فرصته الأساسية للبروز كلاعب سياسي ورئيس البلاد الأول بعد أن كانت كل الأنظار تتجه نحو رئيس الوزراء فلاديمير بوتين باعتباره من يدير الأمور في روسيا. كما أن روسيا تنظر بإيجابية إلى توجه الرئيس الأمريكي الذي لا يريد تجاوز روسيا في شؤون العالم بل يود إشراكها في إدارة شؤونه وهو أمر تود روسيا الاستثمار من خلاله.
وبالتالي عدم رفض اليد الأمريكية الممدودة في مثل هذا المجال؛ بالإضافة إلى أن روسيا تدرك أهمية عدم المواجهة مع الرئيس الأمريكي الذي قد تفرض عليه أية مواجهة إلى العودة إلى برنامج الدرع الصاروخي وإلى فلسفة نشر محطات رادار أميركية في مناطق قريبة من روسيا وتقوية النفوذ الأميركي في مثل تلك المنطقة.
إنها مصالح البلدين السياسية هي التي جعلت الطرفين يتقربان إلى بعضهما البعض ويبدآن فترة انفراج في العلاقة بينهما أكثر من أنها رغبة عسكرية لتحقيق الأمن العالمي وتقليل الخطر النووي.
فكما كانت الأهداف سياسية في فترة الانفراج الأولى في العلاقة بين الطرفين في القرن السابق فإنها هي أيضاً أهداف سياسية في فترة الانفراج الحالي والتي في اعتقادنا أنها ستُثمر عن نتائج سياسية إيجابية للطرفين وتبشر بالتالي بفترة من التعاون أكثر من أن تنذر بفترة من المواجهة.
جامعة الإمارات