فكرة إنشاء أكاديمية للتطوع في منطقة الخليج هدفها عقد دورات تدريبية وورش عمل وندوات وغيرها من وسائل الإعداد والتأهيل هي في حد ذاتها دليل على أن هناك تغيرا جذريا في ثقافتنا الاجتماعية وفي نظرتنا لقضية مجتمعية مهمة ألا وهي قضية خدمة المجتمع طوعا.

فقضية التأسيس للعمل التطوعي وترسيخه في النفوس، أو بشكل اخص خدمة المجتمع ، هي في واقع الأمر قضية قديمة جديدة في مجتمعنا اليوم كما كانت في مجتمعات اللؤلؤ.

ويبدو أنها من الممارسات التي لم ولن تغيب أبدا عن مجتمعنا مهما تطور وتغيرت أوضاعه واختلفت أنماطه وسلوكياته. فجميع مجتمعات الخليج عاشت وتطورت في فترة ما قبل النفط على ثقافة الفكر التطوعي والتي ساهمت إلى حد كبير في التخفيف من حدة الأزمات الاقتصادية التي شهدتها المنطقة. فبدون «الفزعة» و«الأجارة» و«الشوفة» .

وغيرها من المسميات الاجتماعية التي وفرت لهذه المجتمعات أرضية صلبة وقفت عليها حين ماجت الأرض في العالم تحت وطأة الأزمات الاقتصادية الكبرى التي شهدتها البشرية في عصورها المختلفة.

في ظل تلك الأزمات طورت مجتمعات الخليج آليات اجتماعية واقتصادية حمائية وفرت لهذه المجتمعات وسائل ذاتية وإجرائية حمتها من تأثير الأزمات الاقتصادية وإفرازاتها السيئة.

لم يكن المال متوفرا ولكن توفر الإرادة ذلل الكثير من الصعوبات، كما أن وجود ثقافة التطوع واحترام الناس لها سهل سبل التواصل الإنساني بين البشر في ظروف عدها البعض قاسية. فالتطوع المجتمعي كان واجبا مجتمعيا وإنسانيا ودينيا.

كان كل فرد صغيرا كان أم كبيرا معنيا بترسيخ ثقافة التطوع وتجذيرها ولذا حرص كل فرد بأن يؤدى دورا معينا في ترسيخ تلك الثقافة. لقد سادت في المجتمع نظم التكافل التقليدية التي تعكس وتكرس في آن واحد قوة العلاقات التي كانت تربط بين أفراد الحي أو القبيلة. فمن كان يملك هو ملزما أخلاقيا وإنسانيا بمساعدة من لا يملك.

ولم تستثنى هذه التقاليد المرأة. فكانت تساعد جاراتها ونساء الحي بوقتها وجهدها، وعند الحاجة بلبنها الذي ترضع به أطفال الحي. وهكذا زادت الأواصر الاجتماعية بين أفراد الحي الواحد وأدى ذلك التواصل إلى زيادة اللحمة المجتمعية وتلاشت كافة الفروقات الاجتماعية.

فأبناء الحي الواحد هم أخوة في الرضاعة، وبنات الحي الواحد هن أخوات في الأسرة الممتدة، وآباء الحي الواحد هم شركاء في المسؤولية الاجتماعية وفي الرقابة العامة ومعاقبة من يسييء التصرف من أفراد الحي وصبيانه.

إذا فالتطوع ينمي الحس المجتمعي والمسؤولية المجتمعية والرقابة الذاتية للنفس وللآخرين ووجودها دليل على حيوية المجتمع وإحساسه بالآخرين، ومدى انتشارها وتقبل الناس لها دليل قوي على حركة المجتمع الذاتية لإيجاد آلية لمواجهة مشاكله وقضاياه.

إن التأسيس لثقافة التطوع، خاصة بين الشباب لها مزايا عديدة يأتي على رأسها تنمية الحس الوطني وحس المسؤولية والولاء للوطن. فالوطنية هي حقوق وواجبات وليس فقط مزايا وهبات وامتيازات.

كما أن التطوع يذلل بل أحيانا يزيل كافة الفوارق الاجتماعية ويمهد لحقوق مواطنة جديدة قائمة على أسس من العطاء والمسؤولية ويقرب الفرد إلى لب قضايا مجتمعه وهمومه.

أنه مفيد للطرفين المجتمع والمتطوع. فهو يوفر طاقة كانت ستهدر ويقرب الفرد من قضايا مجتمعه وهمومه. ولذا فقد اقترح الكثير من الخبراء بأن تدرج مادة التطوع في المناهج الدراسية وتكون جزء ا مهما من مقررات الدراسة في المدارس والجامعات.

في الإمارات، كما في دول الخليج الأخرى، نحن في أمس الحاجة اليوم لترسيخ ثقافة التطوع لأهميتها القصوى في ترسيخ قيم اجتماعية مهمة يأتي على رأسها الولاء والانتماء للوطن والدولة.

كما أننا في حاجة لترسيخ حس المسؤولية والاعتماد على النفس خاصة بين الأجيال الجديدة. فهناك أوقات فراغ كبيرة وطاقات هائلة يملكها الشباب يمكن توجيهها لخدمة المجتمع مما يعود بالنفع على الطرفين، خاصة أنه لا يخفى على أحد الإفرازات السلبية التي يمكن أن تنشأ من غياب التوجيه الايجابي لتلك الطاقات.

ولكن كيف السبيل إلى تشجيع الأفراد على الانخراط في العمل العام وتفعيل ثقافة التطوع في وقت تشهد فيه جميع جمعيات النفع العام عزوف كبير خاصة من قبل فئة الشباب؟ هل هو خلل في برامج تلك الجمعيات أو أحساس الكثيرين بعدم جدوى العمل فيها؟

الدراسات التي أجريت مؤخرا على العمل التطوعي وسبل تفعيله أثبتت أن الثقافة التطوعية لا تزال حية وموجودة لارتباطها بمقومات اجتماعية ودينية. ولكن أسهل طريق للتطوع أصبح بأن يتطوع الإنسان بماله وليس وقته.

إذا لقد أصبح مال الإنسان في هذا الزمن أسهل من وقته ولذا فلا بد من الأخذ بهذا العنصر في الاعتبار. كذلك أصبح الفرد ينظر إلى قيمة العمل الذي يؤديه وانعكاساته المباشرة على حياته أو عمله، فإذا ما أحس الفرد بمردود ذلك العمل الفوري فانه لا يتردد في التطوع والدليل على ذلك المؤسسات والجمعيات الخيرية والإنسانية سواء داخل الدولة أو خارجها.

إن معرفة أسباب العزوف ومعالجتها هي البداية لزرع ثقافة التطوع وهي التي سوف تمهد الأرضية لزرع ثقافة تطوع ذاتية نابعة من ظروف المجتمع واحتياجاته تماما كما كان أباؤنا وأجدادنا في الماضي.

وأما العامل الأخر فهو الحرص على أن تتناسب أنشطة تلك المؤسسات العامة مع اهتمامات جميع شرائح المجتمع من نساء ورجال، مع العمل على تذليل كافة الصعوبات التي تمنع من الانخراط في العمل العام.

من جهة أخرى يجب أن ننظر إلى تلك المؤسسات ليس بأنها أحزاب سياسية أو معارضة بل مجتمع مدني يعمل مع الدولة لتنظيم الجهود الإنسانية وبالتالي نقدم له الدعم المتمثل في توفير مقر وميزانية كافية لممارسة نشاطه لكي يعمل بشكل فعال على إرساء ثقافة التطوع التي يحتاجها المجتمع ككل.

فوجود علاقة صحية وايجابية بين الطرفين: المجتمع المدني والدولة، ضروري جدا لإرساء تلك الثقافة لأنه متى ما غابت تلك الثقة غابت الثقافة التطوعية وتأثر المجتمع ككل.

جامعة الإمارات

fatimaalsaayegh@hotmail.com