ليس الشعب العربي السوري الشقيق وحده هو الذي يستحق الاعتذار والأسف من جانب قناة «الجزيرة» الفضائية، بعد الإهانة التي جاءت في برنامج «شاهد على العصر» حين وصف مذيع البرنامج التفاف الشعب السوري حول جمال عبد الناصر في سنوات الوحدة المصرية ـ السورية، بأن الشعب السوري «كان يقبل حذاء عبد الناصر» !!..
ليس الشعب السوري وحده هو الذي أهين بهذه الكلمات، وليس هو وحده الذي يستحق الاعتذار، بل الأمة العربية كلها التي التفت في هذه المرحلة التاريخية حول عبد الناصر ووجدت فيه القيادة التي تخوض وراءها معارك التحرير والاستقلال والتقدم والوحدة.
وإذا كانت الظروف قد حتمت قيام دولة الوحدة بين مصر وسوريا في ذلك الوقت، فإن مشاعر الجماهير في كل أنحاء الوطن العربي لم تكن تختلف عن مشاعر جماهير دولة الوحدة، والملايين التي وضعت عبد الناصر في قلوبها وحملت سيارته على أكتافها في دمشق وحلب، فعلت نفس الشيء في الجزائر واليمن.
والجماهير التي شاركت في أيام الانتصارات واحتفلت بها هي نفسها التي خرجت في كل العواصم العربية ترفض الانكسار بعد هزيمة يونيو، وهي التي فاجأت العالم حين خرجت الخرطوم تستقبل القائد بعد شهور من الهزيمة في مشهد تاريخي أجبر القادة العرب على قرارات قمة الخرطوم بلاءاتها الشهيرة.
وهي نفس الجماهير التي خرجت في مشهد الوداع الحزين تبكي بطلها الراحل وتبدع في رثائه أنشودتها الحزينة «الوداع يا حبيب الملايين».. ثم هي نفسها الجماهير التي مازالت حتى اليوم ترفع صورته وحدها في وجه كل احتلال، وحين تخوض حروب المقاومة، وحين تقول إنها لن تتخلى عن أرضها ولن تتبرأ من عروبتها.
نعم .. الاعتذار ليس حقاً للشعب السوري وحده، بل لكل الأمة العربية التي لم تكن يوما تقبل حذاء عبد الناصر بل كانت تقاتل معه من أجل وطن عربي يتحرر فيه كل مواطن من الاحتلال ومن الفقر، ويحصل فيه كل مواطن على نصيبه من ثروة الوطن، وتنفتح فيه الأبواب ؟ على قدم المساواة ؟ أمام الجميع للعلم والتقدم والحياة الكريمة.
ولم تكن الإهانة فقط للشعب السوري، أو للشعوب العربية، بل كانت أيضا للحقيقة والتاريخ. فقد كان أمام قناة «الجزيرة» حين استضافت عبد الكريم النحلاوي الرجل الذي قاد الانقلاب على الوحدة المصرية ؟
السورية ويتحمل وزر جريمته أمام الله والتاريخ، كان أمامها فرصة لكي تطل على هذا المرحلة بنظرة موضوعية من خلال «شاهد على العصر» يفترض فيه أن يلقي الضوء على التجربة بسلبياتها وايجابياتها، وأن يفتح خزانة الإسرار ليقول من هي القوى الحقيقية التي تآمرت؟ ومن الذي قدم التمويل؟
ومن الذي قدم الدعم؟ وكيف تم استغلال الأخطاء والتي وقعت للانقلاب على الوحدة؟ لكن مقدم البرنامج قدم لنا نموذجاً فريداً في إهمال كل قواعد العمل الإعلامي، ليحول حلقات البرنامج إلى حفلة شتائم لعبد الناصر يتم فيها التلاعب بالأحداث وتزوير الوقائع عن عمد لتشويه هذه الحقبة العظيمة من تاريخ الأمة التي قاد فيها عبد الناصر النضال العربي.
والتي مازالت الجهود تتواصل منذ أربعين سنة لمحوها من الذاكرة العربية، لأن المطلوب ؟ من كل أعداء الأمة ؟ إلغاء عروبة العرب كشرط للهيمنة على حاضرهم ومستقبلهم.
في شهادة الزور على العصر التي قدمها قائد الانقلاب على تجربة الوحدة المصرية السورية بإشراف وتوجيه وتلحين وتوزيع مقدم البرنامج، يتناسى الاثنان حقيقة أن عبد الناصر قبل الوحدة مرغماً لأنه كان يفضل التريث ويريدها على خطوات.
ولكن الجانب السوري وضعه أمام الخيار المر: إما الوحدة وإما ضياع سوريا، حيث التهديدات الإسرائيلية من جانب، والحشود التركية المدعومة أميركياً من جانب آخر.
وفي شهادة الزور يقسم النحلاوي أنه لم يكن يريد الانقلاب على عبد الناصر، بل كان يريد تصحيح بعض الأوضاع في الجيش مع الإبقاء على الوحدة بقيادة عبد الناصر الذي ظل يتبارى مع المذيع طوال حلقات الشهادة في توجيه أقسى الاتهامات له !!
ثم يعترف بعد ذلك أن السياسيين الذين جاءوا بهم للسلطة بعد الانقلاب كان كل همهم إلغاء المكاسب التي حصل عليها العمال والفلاحون في سنوات الوحدة، ولعله كان ساذجاً إذا كان لا يعرف مسبقاً أن هذا أحد أسباب الانقلاب، وقد دفع الثمن حين تم طرده في الانقلاب الذي كرس الانفصال بعد شهور، ليتم إبعاده للخارج .
وهنا لا تجري إلا إشارة عابرة إلى الاتصال بمصر حيث يقال إن عملاء مصريين تخفوا كصحفيين وحاولوا الاتصال بهم. والحقيقة إن النحلاوي وزملاءه المبعدين هم الذين سعوا للاتصال بالقاهرة، وكانوا يائسين وغاضبين على ما جرى لهم.
وقد اتصلوا بالفعل بمراسل لمؤسسة صحفية مصرية كبيرة في سويسرا وحملوه رسالة طلبوا توصيلها للرئاسة في مصر. وطار بها الصحافي المصري للقاهرة وسلمها لرئيس المؤسسة الذي أوصلها للرئاسة، وكانت الرسالة اعترافاً بالخطيئة التي وقعت واعتذاراً عنها وطلباً من عبد الناصر بعدم التخلي عن سوريا..
وقد حاول النحلاوي بعد ذلك تصحيح جريمته وفشل واختفى.. وها هو يعود بعد خمسين سنة على يد مذيع لا يستطيع إخفاء كراهيته لثورة يوليو وللعروبة وعبد الناصر، فتقود العزة بالإثم النحلاوي إلى حيث يتحول من شاهد على العصر إلى شاهد على إهانة شعب وامتهان تاريخ أمة، ألم تكن جريمة واحدة تكفي؟!
كاتب صحافي مصري
