تحت شعار «من تركيا.. بكل المحبة»، أطلقت أنقرة هذا الأسبوع قناة جديدة تبث باللغة العربية، وقال مدير هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية إبراهيم شاهين إن القناة ستمكن تركيا والدول العربية من التعرف إلى بعضهم بشكل مباشر وبشكل أفضل.
وقال في احتفال إطلاق القناة في اسطنبول إن القناة ستصل إلى 350 مليون شخص في العالم العربي عبر 3 أقمار اصطناعية.
سبق وأكد رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي قبل إطلاق القناة بيوم واحد أن بلاده تعمل على إزالة بؤر وعوامل التوتر في المنطقة وتسعى إلى تحقيق التقارب بينها وبين العواصم العربية والإسلامية المحيطة بها.
وقال أردوغان في كلمة ألقاها أمام مؤتمر رجال الأعمال والصناعيين في مدينة اسطنبول، «إن دولاً تبعد عن منطقتنا آلاف الأميال أرادت من تركيا أن تدير ظهرها لإخوانها في المنطقة، وأسست توترات وهمية في جغرافية الإخوة، ولكننا بدأنا بإزالة هذه التوترات والمسافات التي لا معنى لها».
وأشار أردوغان إلى أهمية التقارب بين تركيا وجوارها والعمل على إلغاء جوازات المرور بينها، واجتثاث ما سعت إليه بعض الدول التي وصفها بأنها بعيدة عن المنطقة لزرع الأحقاد في أواصر العلاقات العربية التركية.
لا شك في أن هذا التحول التركي انطلق أولاً من رغبة سياسية في الدخول إلى عالمنا العربي، وهذه أصبحت حقيقة يعبر عنها الخطاب السياسي التركي ولا يخفيها.
الحضور الاقتصادي التركي في القمة العربية الأخيرة في مدينة سرت الليبية ـ كحدث ـ وفي عالمنا العربي أيضاً مهد الطريق أمام حضور سياسي، ومع أن الحضورين مرحب بهما لدى الكثيرين لدوافع مفهومة، إلا أنهما يعبران عن حقيقة ما تحقق لدى إخواننا الأتراك من إنجاز، وما تحقق في عالمنا العربي من تراجع، لا على المستوى السياسي فقط، وإنما الاقتصادي أيضاً، وهذه ـ بالطبع ـ مسألة تبعث على (القلق) مما انتهى إليه عالمنا العربي من (فراغ) يبحث عمن يملؤه، ومن سكون يحتاج لمن يرمي فيه حجراً ليحركه.
كان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان نجم القمة العربية بلا منازع، وكلامه كان ملك الكلام، وما كان ينتظره العرب من غيره قاله هو، إذ عبر عما يجيش في خاطر كل عربي.
وكأنه العربي الوحيد الذي يعرف ما يجب أن يقال في مثل هذه المناسبة، وفي مثل الحالة التي تعيشها الأمة الآن، بين حدي الإصرار على إذلالها وتركيعها، والإصرار على القبول والاستسلام. وقف أردوغان في سرت بالأمس القريب.
كما وقف في اجتماع دافوس في مواجهة مجرم الحرب شيمون بيريز، كأنه هو صاحب القضية، يحمل همّها ويدافع عنها، ويرسم معالم الطريق من خلال ربط مصير تركيا بمصير كل بلد عربي، فتركيا ليست بلداً صديقاً، هي «بلد شقيق في التاريخ والعقيدة»، و«مصير اسطنبول لا يختلف عن مصير مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس والقاهرة وصنعاء».
ووضع أردوغان الإصبع على مكمن الداء، ناصحاً العرب بالتخلي عن رهان المفاوضات الخاسر قائلاً «إن المفاوضات التي لا ترتكز على نتيجة لا تؤدي إلى شيء»، والمطلوب هو نهاية الطريق وليس خارطة الطريق، معتبراً إعلان «إسرائيل» القدس عاصمتها الأبدية جنوناً.
القدس يا عرب « قرة عين كل العرب والمسلمين».. هكذا يراها أردوغان، ويحذر من أن «احتراق القدس هو احتراق فلسطين واحتراق الشرق الأوسط، واحتراقه يعني احتراق العالم».
وأكد أردوغان خلال افتتاح القناة أيضاً أنه «لن يسكت على ما يحدث في فلسطين»، و«مثلما بكينا على هاييتي وحزنّا على تشيلي نحزن على غزة».
إنه تحذير علني من مغبة الممارسات «الإسرائيلية» وسياساتها العدوانية العنصرية الاستيطانية، وتجاوزها للشرعية الدولية وانتهاكها لكل المحرمات. وأردوغان بهذا المعنى يربط مصير بلاده بمصير القدس.
ويعلن بشكل صريح أن الممارسات «الإسرائيلية» قد تحرق المنطقة والعالم، وأن تركيا لن تقف تتفرج على «قرة عين العرب والمسلمين» وهي تحترق.
البعض يتعجب من أمر الأتراك بعدما جلبوه من ويلات خلال مئات السنين على أمتنا العربية وقتلوا مئات الآلاف من شعبنا واستعمروا بلادنا أزيد من خمسة قرون ونهبوا ثرواتنا.
ولكن هذه صفحة مرت مثلما مرت مياه كثيرة من تحت الجسر العربي، ونحن في عصر وعالم جديدين علينا ان نعرف الصديق الحقيقي من العدو، ونفرق جيداً بين من هو في مصلحتنا ومن هو علينا، وأعتقد أن من يمد يده لنا مخلصاً بالسلام أفضل كثيراً من الذي يمد يده ليقتلنا.
