منذ رحلتي الأولى إلى اليابان، وتحديدا إلى أوساكا وكيوتو عبر مطار كانساي، في أكتوبر 2002، مضيت أتطلع إلى الانطلاق إلى طوكيو، عبر مطار ناريتا، وهو ما تحقق أخيرا على متن الراقية الرقيقة «طيران الإمارات»، التي كان الكثيرون يتوقعون مثلي أن تشق طريقها إلى العاصمة اليابانية، لتحقق قصة نجاح جديدة تضيفها إلى رصيدها الحافل.
في الرحلتين معا لم يكن هناك أي حضور على الإطلاق للجهة التي توقعت أن تكون الجسر الذي سأصل عليه إلى اليابان، وهي «مؤسسة اليابان»، المسؤولة عن التعاون الثقافي بين اليابان ومختلف أرجاء العالم، باعتباري واحدا من أكثر الكتاب العرب اهتماما باليابان وصاحب القلم الذي قدم للقارئ العربي عشرة آلاف صفحة من عيون الإبداع الياباني في الأدب والسينما والمسرح والفلسفة.بين الرحلتين طرأ حشد هائل من التغيرات على اليابان، لعل أبرزها أن التوقعات التي عبر عنها الكثيرون على مستوى العالم بدور سياسي أكبر لليابان لم يقدر لها التحقق، ولو في الحدود الدنيا، كما أن التألق الاقتصادي الياباني عرف قدرا لا يستهان به من الانطفاء، عبر صعوبات اقتصادية لا يستهان بها. من منظور كاتب عربي اهتم باليابان، على امتداد ثلاثة عقود أو يزيد، فإن عدة ملامح في الصورة اليابانية تفرض حضورها اليوم بقوة:
أولا- لا يزال الشرق الأوسط، بالنسبة للغالبية الكاسحة من اليابانيين وقنوات الإعلام اليابانية على اختلافها، منطقة نائية حقا، وبعيدة عن اهتماماتهم، على الرغم مما يعرفه الجميع من أن أضواء طوكيو تتألق بفعل النفط والغاز العربيين، حقا إن انطلاق «طيران الإمارات» و«الاتحاد» في يوم واحد في الرحلة الافتتاحية إلى طوكيو .
ومن بعدهما «القطرية» يتيح لمزيد من الوجوه العربية أن تطل في طوكيو، ولكن علينا أن نتذكر أن تلك ليست إلا البداية فحسب، وهي بداية نأمل أن يكون لها ما بعدها، وأن تنعكس في صورة توثيق حقيقي للعلاقات بين اليابان والعالم العربي.
ثانيا- الذين تابعوا، قبل ستة أشهر، الفوز التاريخي للحزب الديمقراطي الياباني في الانتخابات البرلمانية، بعد نصف قرن من سيطرة الحزب الليبرالي الديمقراطي الياباني على الحياة السياسية في بلاد الشمس المشرقة، لا يزالون يتابعون رئيس الوزراء الياباني يوكيو هاتوياما.
وهو يعترف قبل انتخابات يوليو المقبل المتعلقة بالمجلس الأعلى في البرلمان بأن حكومته قد ارتكبت أخطاء، ولكن على الناخبين الاعتصام بالصبر.
فيما هي تمضي قدما بأجندة التغيير التي حملتها إلى سدة السلطة. وهذا الاعتذار لم يأت من فراغ، وإنما من بروز معضلة حقيقية أمام الحزب الديمقراطي تتمثل في سؤال محدد: كيف يمكنه الوفاء بوعوده الانتخابية من دون أن يفاقم الدين الياباني العام الذي يبلغ 200%من إجمالي الناتج المحلي الياباني؟
وقد تمثلت هذه الوعود بصورة أساسية في وضع المزيد من المال في أيدي المستهلكين والحد من الإهدار وكبح جماح البيروقراطية، وتبدو هذه الوعود ورطة حقيقية بالنسبة للحزب الذي يواجه متاعب في مقدمتها الافتقار إلى قيادة حقيقية، وتوالي القرارات المرتبكة، والفضائح المالية المتعاقبة.
ومن هنا يتوقف المراقبون أمام إقرار هاتوياما بالحاجة إلى الانضباط المالي ووعده بإطلاق إصلاح مالي في يونيو المقبل، جنبا إلى جنب مع استراتيجية للنمو.
ثالثا- من المحقق أن الكثيرين قد توقفوا عند الخلاف بين الحكومة اليابانية والإدارة الأميركية حول نقل قاعدة فوتينما الجوية القائمة في جزيرة أوكيناوا، فهناك اتفاق بين الجانبين يعود إلى عام 2002، ويقضي بنقل هذه القاعدة إلى منطقة أقل ازدحاما من الجزيرة، التي تضم غالبية العسكريين الأميركيين في اليابان البالغ عددهم 47 ألف عسكري.
وبالمقابل وعد الحزب الديمقراطي الياباني الناخبين بإخراج قاعدة فوتينما من الجزيرة، ويشير المراقبون إلى أن هاتوياما قد يتعين عليه أن يترك موقعه إذا لم يحقق هذا الوعد في الموعد الذي حدده، وهو نهاية مايو المقبل. وبالمقابل فإن واشنطن تصر على ضرورة الالتزام باتفاق 2006.
وفي اعتقادي أن هناك تضخيما من جانب المراقبين في تصوير هذه المشكلة، ففي نهاية المطاف تعتمد اليابان إلى حد كبير على تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، ومن منظور فلسفة التفاوض اليابانية فإنه كلما تعقدت المشكلة كان ذلك أدعى إلى الدفع باتجاه النجاح في الوصول إلى حل لها.
رابعا- يرتبط بهذا الجانب التعقيد الذي يهيمن على علاقة الصين باليابان، وقد أكد وزير الخارجية الياباني كاتسويا أوكادا أن الصين شديدة الأهمية بالنسبة لبلاده على الصعيد الاقتصادي، لكن نظامها السياسي شديد الاختلاف عن النظام السائد في طوكيو، وبالمقابل فإن التحالف الأمني بين واشنطن وطوكيو بالغ الأهمية ليس لاستقرار اليابان وحدها، وإنما آسيا بأسرها.
ومن هنا فإن اليابان التي ستتولى هذا الشهر الرئاسة الدورية لمجلس الأمن ستدفع باتجاه المزيد من إدماج الصين في العمل الجماعي للمجتمع الدولي.
خامسا- هل هناك طريقة يابانية لحسم التحديات الدولية؟ يبادر معظم المراقبين إلى الرد على هذا السؤال بالنفي، لكنني أعتقد بوجود مثل هذه الطريقة، ذلك أن اليابانيين مثل أبناء العديد من المجتمعات الآسيوية براجماتيون، يجيدون التغير والتأقلم مع الظروف، وكل من قدر له أن يدخل قلب آلية التفاوض اليابانية يعرف ذلك حق المعرفة.
لقد كنت سعيد الحظ حقا، لأنني مضيت إلى طوكيو في موسم تفتح براعم أشجار الكرز، وشاهدت تلك الأشجار البديعة وهي تملأ الأفق بهجة، رغم أن الحرارة لم تزد على خمس درجات، وشاهدت جبل فوجي يتألق بعد انسحاب الضباب بعيدا عن آفاقه، لكني يقينا سأكون أكثر سعادة عندما تتألق شمس الوضوح في الرؤية العربية للواقع الياباني، وعندما يترجم ذلك إلى المزيد من التعاون العملي بين العرب واليابانيين.

