ما زالت أسرار غرق العبارة دارا تتردد بين أواسط أهل الإمارات حتى الآن كلما تهل الذكرى السنوية للحدث بالرغم من مرور خمسة عقود على اليوم الذي تواجدت فيه السفينة في المياه الإقليمية لدبي.
وتصادف اليوم ذكرى مرور 49 عاما على غرق السفينة (دارا) التابعة لشركة (بريتش انديا سيستم نيفيجيش) وهي ضمن ثلاث سفن صنعتها الشركة بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1948 (دومرة، دواركة وداريسا) وتبلغ مساحتها 5000 قدم مربع وقد يصل عدد ركابها إلى 1451 راكباً ويبلغ عدد طاقمها 200 بحار بقيادة القبطان تشارلز اليسون والتي أبحرت من ميناء البحرين صبيحة السادس من ابريل عام 1961 متجهة إلى دبي في طريقها إلى كراتشي وبومباي عائدة من البصرة وعلى متنها 819 راكباً.
لم يخطر في بال أي راكب ما سوف تؤول إليه أمور السفينة بعد ذلك بسبب هدوء العاصفة وصفاء السماء من الغيوم اثر أيام مطيرة، وعقب وصول السفينة إلى دبي أبحرت باتجاه كراتشي مساءً، وفي الليل هبت العاصفة ثم حصل انفجار في أسفل السفينة أدى إلى انشطار أجزاء منها ثم غرقها عند الساعة الثالثة فجراً.
وفى رواية أخرى تقول بعد وصول السفينة في السابع من ابريل إلى ميناء دبي ونزول بعض الركاب ضربت عاصفة قوية سواحل الإمارة مما اضطر السفينة إلى الإبحار مرة أخرى حتى تهدأ العاصفة وينزل بقية الركاب وممن صعد معهم من الأهل والأقارب لاستقبالهم وبعض الباعة المتجولين وعند الساعة الرابعة والنصف فجرا حدث انفجار قوي هز أركان السفينة.
ويقول كبير موظفي السفينة بيتر جوردن والبالغ من العمر (80 عاما) أن انفجارا قويا وقع في الفجر في مطبخ السفينة وكان قريبا من غرفة المحركات مما أدى إلى انتشار الحريق تدريجيا إلى أجزاء السفينة الأخرى وقد غرق 238 راكبا من أصل 819 راكبا.
وقد هرعت طائرات من سلاح الجو البريطاني في قواعدهم الموجودة في البحرين وعدن وسفن أخرى تابعة للنرويج واليابان وألمانيا وبريطانيا وأميركا للإنقاذ ولكن بسبب الذعر والخوف وتدافع الركاب نحو قوارب النجاة أدى إلى ازدياد حالات الوفاة وصعوبة الإنقاذ.
وفى تمام الساعة التاسعة وعشرين دقيقة صباح يوم العاشر من ابريل كانت السفينة قد غرقت تماما في البحر وتعتبر هذه كارثة من أسوأ الكوارث البحرية في الخليج العربي وتعتبر كذلك قريبة من حادثة السفينة الشهيرة (تايتنك) التي كانت مبحرة من بريطانيا إلى سواحل أميركا الشمالية.
ظلت هذه الرواية تتردد على كل لسان، وأصبحت قصة يحكيها الآباء للأبناء، وما من أسرة أو منزل في الإمارات إلا ولديه فرد ممن كانوا على متن الباخرة، سواء أكانوا من الغرقى أم الناجين.
قد عشت تجربة السفر بالبحر بين الكويت والشارقة لعدة سنوات بهذه العبارات وما زلت أتذكر آخر رحلة في صيف 1969 وبسبب هذه الذكريات قد بقيت طوال تلك السنوات الماضية اسأل وأفكر في هذه الرواية لمعرفة أسباب وقصص الناجين حتى جاءتني الفرصة هذه الأيام بمناسبة ذكرى غرق السفينة.
أخذت أبحث وأسأل عن أحد الناجين لأطرح عليه الأسئلة التي تدور في خلدي منذ سنوات إلى أن اهتديت إلى احدهم، وهو اللواء المتقاعد شرف الدين محمد حسين شرف.. يقول السيد شرف الدين: كنت ووالدتي وأختي و3 من إخوتي مبحرين من دبي باتجاه كراتشي، وكنت حينها ابلغ من العمر 8 سنوات وأخي الأكبر كان عمره 18 سنة، وأختي رضيعة.
وأخي أمين عمره ست سنوات وأخي محمد عمره ستة أشهر، وبعد أن حدث الانفجار أخذنا مرافقنا في الرحلة أنا وأخي محمد البالغ من العمر ستة أشهر إلى الأعلى وعندما عاد ليحضر والدتي وإخوتي الآخرين كانت السفينة قد بدأت تحترق، ولم يستطع الوصول إليهم فماتوا في الحادث.
بعد أن انفض الازدحام الحاصل اثر الحريق لم أجد أخي، فأبحرت في مركب النجاة إلى دبي، أما أخي فأغلب الظن انه أبحر مع أحد ما إلى البحرين، وبعد مرور سنوات على هذا الحادث، رحت ابحث عن أخي وكلي أمل أن يكون على قيد الحياة، ولكني لم أجده مع حصولي على معلومات تؤكد انه يعيش في البحرين. ومن أطرف المواقف التي حصلت لنا ونحن في مركب النجاة أن احد الرجال وهو من الجالية الهندية كان يحمل حقيبته معه، وهي ثقيلة وقد طلب منه أن يرميها في البحر، فلم يستجب بسبب وجود كميات من الذهب فيها ولكن أمام إصرار الركاب رماها وقلبه يتقطع على الثروة التي ذهبت ولم تعد. هذه رواية من روايات عديدة للناجين الذين سأحاول توثيق أخبارهم ونشرها للقراء على مدى حلقات في القريب العاجل..
بقيت هذه الكارثة مصدرا للعديد من الكتاب والروائيين والصحفيين وكلما لاحت ذكراها في الأفق لاحت معها قصص البحث عن الجديد أو ما يمكن أن يزيل غموض وأسرار وقوع هذه الكارثة.
وآخر من وثق هذه الحادثة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة في كتابه المميز (سرد الذات) وهذا دليل على أن هذه القصة ستبقى في ذاكرة أهل الإمارات خاصة بعد أن أصبحت الآن مزارا للسياح الغواصين ومعلما بحريا تاريخيا يجذب الكثيرين للبحث في قصة القنبلة التي كانت متواجدة على ارض السفينة.
كاتبة إماراتية