تشهد السودان أكبر المعارك الانتخابية التعددية حساسية ومصيرية في مواجهة الأزمات الداخلية والتدخلات الدولية، وأكثرها إثارة للسجال والجدال والمناورات الحزبية، نقول إنها أكبر المعارك، لأنها الأوسع نطاقاً بين عشرين حزباً باعتبارها انتخابات ثلاثية رئاسية وبرلمانية وولائية في وقت واحد، ونقول انها الأكثر حساسية ومصيرية لأنها الأساس الذي سيبني عليه مستقبل ومصير وحدة السودان وديمقراطية ورئاسة السودان .

نقول إنها الأكثر إثارة لأن المناورات الحزبية الضيقة من جانب أحزاب طائفية وقبلية وجهوية تجاوزها الزمن لأنها تضع مصلحة الحزب فوق مصلحة الوطن، وتريد باسم الديمقراطية تأجيل الانتخابات الديمقراطية وتتهمها، قبل أن تبدأ بالتزوير رغم تأكيدات المراقبين الدوليين النافية لهذه الاتهامات لوجود ضمانات كافية لنزاهتها.

فيما يصر الرئيس عمر البشير على إجرائها في موعدها حتى ولو قاطعتها بعض الأحزاب التي تخشى خسارتها، وتصر المفوضية المستقلة على إجرائها في موعدها حتى لو طالب الرئيس أو البرلمان نفسه بالتأجيل، ولا ندري حتى الآن ماذا ستحل هذه الانتخابات من مشاكل، أو ماذا ستولد من أزمات ؟

وقبل أيام انتهت معركة الانتخابات البرلمانية في العراق التي على أساسها سيتم تشكيل الحكومة القادمة وانتخاب رئيس الجمهورية، وقبل إجراء الانتخابات وأثنائها على وقع دوي الانفجارات من القوى المعارضة لإجراء الانتخابات تحت مظلة استمرار الاحتلال الأميركي، بدأت الكتل المعارضة لكتلة الحكومة معركة استباقية تشكك في سلامة العملية الانتخابية وتعلن عن مخاوفها من وقوع عمليات تزوير لصالح كتلة الحكومة.

وما أن أعلنت المفوضية العليا للانتخابات نتائجها بفوز القائمة العراقية حتى انقلبت الأدوار وبدأت معركة جديدة بين كتلة الحكومة الخاسرة والكتلة الفائزة باتهامات حول وقوع تلاعب وتجاوزات في بعض اللجان بما لا يعكس النتائج الحقيقية للانتخابات إلى حد مطالبة قائمة رئيس الحكومة نوري المالكي بإعادة الانتخابات لاتهامها بالتزوير!

وما أن رفضت المفوضية العليا للانتخابات طلب الحكومة بل وطلب رئيس الجمهورية بإعادة الانتخابات حتى بدأت معركة أخرى حول تفسير نصوص الدستور وقانون الانتخاب لتحديد مواصفات رئيس الوزراء ومن له حق تشكيل الحكومة.. هل هي القائمة الأكثر أصواتا في الانتخابات، أم هي الكتلة الأكثر مقاعد في البرلمان والمسألة لم تحسم بعد !

بينما تستعد مصر بعد شهور قليلة لإجراء الانتخابات البرلمانية لمجلسي الشعب والشورى والتي سيترتب عليها الحسم المسبق لنتائج الانتخابات الرئاسية القادمة في العام المقبل والتي لم يعلن أي من الأحزاب بعد سوى حزب واحد هو حزب الغد عن أسماء مرشحيها لهذه الانتخابات أو تلك، ويجري الاستعداد لتلك الانتخابات في ظل مناخ سياسي أكثر صعوبة.

وحراك سياسي أكثر إثارة للاهتمام والمتابعة، خصوصا في ظل تحولات فعلية تشهدها الساحة السياسية المصرية في أوساط الحركات المستقلين والمعارضين دفعتها بما يشبه الصدمة التي حركت الماء الراكد مطالبات شعبية بترشيح شخصيات مصرية كبيرة من ذوي القامات الدولية العالية أمثال الدكتور محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية السابق والحائز على جائزة نوبل للسلام، والسيد عمرو موسى الأمين العام الحالي لجامعة الدول العربية والسياسي العربي المخضرم الذي يحظى بالشعبية ..

ورغم أنهما لم يعلنا ترشيحهما قبل تعديل مواد الدستور وقانون الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي تشكل بوضعها الحالي عقبات أمام المستقلين في مجرد الترشح، إلا أن المعركة السياسية الدائرة الآن التي تسبق الانتخابات بين المستقلين والمعارضين من جهة وبين حكومة الحزب وحزب الحكومة من جهة أخرى تتمحور حول تغيير المناخ السياسي، وتعديل الدستور والقوانين المنظمة لحرية قيام لأحزاب ولضمانات نزاهة الانتخابات في اتجاه السير نحو الديمقراطية الحقيقية لإعلاء وإعلان الإرادة الشعبية الحقيقية.

ولا تتضح حتى الآن نتائج هذه المعركة السياسية حول ما إذا كانت الرئاسة المصرية ستستجيب لمطالب المستقلين والمعارضين لعديل المواد الدستورية والقانونية تحقيقا للتغيير السياسي الآمن أم سنشهد مشاهد سياسية أخرى.

وهكذا قبل كل انتخابات وخلالها وبعدها خصوصا في عالمنا العربي هناك مشكلة بين المعارضة والحكومات حول قانون وإجراءات وضمانات حرية وسلامة الانتخابات تولد العديد من المشاكل، وهناك معركة بين المرشحين والهيئات والمفوضيات سواء حول حقوق المرشحين أو حول حرية الناخبين تولد العديد من المعارك!

وهكذا في أكثر من مشهد انتخابي عربي وعالمي، أصبحت الديمقراطية بحد ذاتها مشكلة تولد المزيد من الانقسامات الوطنية بدل أن تكون حلا، وأصبحت الانتخابات البرلمانية والرئاسية معركة تولد المزيد من الأزمات السياسية.

ومع ذلك، مازال الكثيرون يرون أن مشاكل الديمقراطية أقل وطأة من مشاكل الديكتاتورية، وأن معارك الانتخابات أقل خسارة من غياب الخيارات، ورغم ذلك، وفي غياب ثقافة الديمقراطية، لا تزال هذه وتلك سببا لزيادة حدة الصراعات والانقسامات والأزمات السياسية والوطنية معاً.

وبينما كانت الديمقراطية تمثل حلا سياسيا لمشكلة الصرع على السلطة في المجتمعات البشرية، وكانت الانتخابات بنظمها المختلفة هي إحدى أهم الآليات الديمقراطية لاختيار النواب الذين يقررون ما يريده الشعب والحكام الذين ينفذون ما تقرره مجالس النواب تحقيقا للتداول السلمي على السلطة ومنعا للاستيلاء عليها بالقوة أو الاستئثار بها إلى الأبد لصالح حزب أو طبقة أو فئة وليس لصالح كل الشعب، إذا بنا نجد الديمقراطية حينما تفرغ من مضمونها، والانتخابات حين تجرد من ضماناتها تتحول إلى مشكلة بدلا من أن تكون حلا.

لكن تبقى الديمقراطية بمفاهيمها المتعددة وبتطبيقاتها المختلفة لها جوهر واحد هو حكم الشعب بالشعب للشعب، وهي آخر مراحل التطور السياسي عبر التاريخ لحل مشكلة الصراع على السلطة، ومنذ نشأتها الأولى في فجر التاريخ في بلاد اليونان كانت تعني في ترجمتها المباشرة عن اللغة اليونانية بصورة محددة «سلطة الشعب»،.. أي أن تكون السلطة أداة في يد الشعب لخدمة كل الشعب وتحقيق مصالحه وأهدافه إما بصورة مباشرة بأن يحكم الشعب نفسه بنفسه.

وإما بصورة غير مباشرة بانتخاب الشعب لحاكمه بإرادة حرة ولعدد من الأمناء والعقلاء والخبراء كنواب عنه في تشريع القوانين المحققة لمصالحه وفي الرقابة على من أوكل إليهم أمانة الحكم لإدارة شؤون المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفقا لإرادته في ظل توازن حقيقي بين السلطات الثلاث..

فمتى سنصل إلى تأكيد ثقافة الديمقراطية السليمة وترسيخ الممارسة الديمقراطية الصحيحة سواء بين الأحزاب المعارضة والأحزاب الحاكمة حتى تعكس العملية الانتخابية كامل الحقوق السياسة للمرشحين دون إقصاء، وتعكس الصناديق الانتخابية الإرادة الحقيقة للناخبين دون تزوير ؟!.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com