في الوقت الذي تواصل فيه اسرائيل أعمالها الإجرامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بوجه عام وفي مدينة القدس الشرقية المحتلة بوجه خاص، فإن الكثير من الانظار تتوجه دوما، وفي كل وقت، ومع كل تطور، صوب الاشقاء الفلسطينيين في كل من حركة حماس وحركة فتح، أملا وتطلعا لامكان ان يحدث ما تتمناه كل الشعوب العربية وهو استعادة اللحمة والمصالحة بين الاشقاء الفلسطينيين.

ومع الوضع في الاعتبار ان المصالحة الفلسطينية هي في جوهرها قرار سياسي فلسطيني في المقام الاول، كما انها كذلك قرار اقليمي تشارك في صنعه وبلورته، وفتح الطريق امامه، عدة اطراف عربية وغير عربية ايضا، وذلك في ضوء التداخل الكبير بين القضية الفلسطينية بتطوراتها وتفاعلاتها، وبين مصالح العديد من الاطراف الاقليمية والدولية الاخرى، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو كيف يمكن للأشقاء الفلسطينيين إدارة شؤونهم وخلافاتهم على النحو الذي يريدون وبأقل قدر من التدخل في شؤونهم؟.

اذا عدنا للتاريخ، ولخبرة العقود الستة الماضية، اي منذ اواخر اربعينات القرن الماضي وحتى الآن، فإننا نجد ان الموقف الفلسطيني كان اكثر قدرة على الحركة، والتواصل مع مختلف الاطراف العربية والاقليمية، وبأقل قدر من التأثر المباشر بأي منها، عندما امتلك الفلسطينيون القدرة على بلورة وتحديد مواقفهم وخياراتهم حيال مختلف التطورات الجارية والخيارات المطروحة امامهم. كما انهم يفقدون هذه القدرة كلما تعمقت واتسعت خلافاتهم فيما بينهم، خاصة وان كل فصيل او حركة تتخندق وراء شعاراتها وتصوراتها معتقدة انها هي وحدها التي تملك الرؤية الصحيحة، او انها هي فقط القيمة على حقوق الشعب الفلسطيني التي دفع الكثير من الدماء للدفاع عنها طوال العقود الستة الماضية، متجاهلة انها انما تمثل جزءا او طرفا او تيارا واحدا من بين التيارات والقوى الفلسطينية المتعددة والمتنوعة والمتجددة كذلك.

على اية حال فان طبيعة وخطورة التطورات التي تجري على الارض، ليس فقط في داخل مدينة القدس الشرقية، وحول المسجد الاقصى، ولكن في مجمل الاراضي الفلسطينية، في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، باتت تحتم جميعها ضرورة الالتقاء وتحقيق المصالحة ليس فقط بين فتح وحماس، ولكن ايضا بين كل الفصائل الفلسطينية وذلك من اجل بلورة الموقف الفلسطيني في اطار توافق فلسطيني عام يتسم بالقوة والتماسك والقناعة بالمواقف التي يتم الاتفاق عليها، والدفاع عنها ايضا لصالح مصلحة الشعب الفلسطيني وحده وفي المقام الاول. نعم هناك الكثير من الخلافات، وهناك قوائم من الممارسات المخزية بين اشقاء الخندق الواحد، خاصة في الفترة الاخيرة، ولكن الصحيح ايضا، والأكثر اهمية هو ان اسرائيل تستغل ذلك كله لتقوم بعمليات تهويد منظمة ومخططة للأراضي الفلسطينية في القدس الشرقية وفي الضفة الغربية وعلى نحو يقلل بالفعل من فرص استعادتها مرة اخرى بالمفاوضات او بغيرها، على الاقل في الاجل المنظور.

ولذا فان الاسراع بتحقيق الالتقاء بين الفصائل والقوى الفلسطينية، والتخلي عن مواقف وممارسات لم تخدم سوى اسرائيل يعد امرا ضروريا وملحا، اليوم قبل الغد. ولعل ما يدور الان من اتصالات، وما يبذل من جهود، خاصة من جانب جمهورية مصر العربية الشقيقة يجد الاستجابة الكافية والمناسبة له من جانب كافة الفصائل الفلسطينية حتى يمكن جعل المصالحة الفلسطينية حقيقة واقعة على الارض من ناحية، وحتى يمكن البناء عليها خلال الفترة القادمة لبلورة موقف فلسطيني قوي وواضح ومحدد من جانب، وموقف عربي يمكن البناء عليه والتعامل على اساسه مع مختلف القوى الاقليمية والدولية الاخرى المعنية بالمنطقة.

اما اذا استمر الوضع الراهن على ما هو عليه، فإن خسائر الجانب العربي بوجه عام والفلسطيني بوجه خاص يمكن ان تكون أكثر مما يتصور الكثيرون، لان اسرائيل لا تضيع الوقت، ولكنها تنفذ مخططاتها بأسرع مما هو متوقع لتضع الجميع في النهاية امام امر واقع يصعب قبوله فلسطينيا وعربيا ليتم الدوران في الحلقة المفرغة ذاتها والتي لن يكسرها سوى المصالحة الفلسطينية الحقيقية