قبل 65 عاماً، وفي الأول من إبريل عام 1945، غزت القوات الأميركية ومشاة بحريتها جزيرة أوكيناوا، وأدت الأشهر الثلاثة التالية من القتال إلى إلحاق هزيمة كاملة، وشبه دمار كامل، بقوات الامبراطورية اليابانية على الجزيرة، التي لا تبعد عن اليابسة سوى 340 ميلا. لقد ثبت أن هذا الفوز في القتال هو من أكثر الحملات العسكرية الأميركية تكلفة في المحيط الهادي، حيث قُتل أو أصيب أو فقد نحو 50 ألف أميركي.
وساعدت هذه المذبحة، التي لا يمكن تصورها، على إقناع الحكومة الأميركية بإلقاء قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناغازاكي، على أمل تجنب مزيد من الغزو المروع لليابسة في اليابان ووقوع مزيد من القتلى الأميركيين.
وقد عادت أنباء أوكيناوا، والحرب في المحيط الهادي، لتتصدر الأخبار في هذا الأيام من خلال بث المسلسل التلفزيوني: «المحيط الهادي»، وهي قصة شبيهة بالمسلسل التلفزيوني «رابطة الأخوة»، الذي بث عام 2001، ويتحدث عن تقدم القوات الأميركية من نورماندي إلى ألمانيا عبر نهر الراين.
غير أن الممثل توم هانكس، الذي شارك في إنتاج المسلسل الجديد «المحيط الهادي»، أبدى لدى مساهمته في ترويج المسلسل بعض الملاحظات المؤسفة والتاريخية. وقال هانكس: «من خلال عودتنا في المسلسل إلى الحرب العالمية الثانية، رأينا اليابانيين أشبه بكلاب صفر، بعيون ضيقة ومائلة، يؤمنون بدين غير المسيحية.
وقد خرجوا لقتالنا لأن أسلوب حياتنا يختلف عن أسلوب حياتهم. ونحن بدورنا أردنا تصفيتهم لأنهم كانوا مختلفين عنا». ومع ذلك فإن حرب المحيط الهادي كانت أكثر من مجرد حرب مختلفة.
وبالطبع، لم يكن العرق عاملاً حاسماً في العلاقات الأميركية- اليابانية قبل الحرب وبعدها. لقد كانت الدولتان شريكتين في الحرب العالمية الأولى ضد الألمان والنمساويين. وخلال الحرب العالمية الثانية تحالف الأميركيون مع الصينيين والكوريين والفلبينيين وغيرهم من الآسيويين لإيقاف العدوان الياباني.
والذي غالباً ما كان يُؤجج نتيجة للشعور الياباني الخاص بالتفوق العرقي على الغير. وبعد الحرب العالمية الثانية ساعد الأميركيون في إعادة بناء اليابان، وتحالفوا معها مجدداً ضد الاتحاد السوفييتي الشيوعي.
وعلى الرغم من تناسي الأميركيين واليابانيين البائس للسقوط الياباني خلال الحرب، فإن العرق، في حد ذاته، ليست له علاقة بالرعب الذي حصل في المحيط الهادي، كما لا يبرر سبب وجودنا هناك في المقام الأول.
بالطبع، دخلنا الحرب بسبب الهجوم المباغت على بيرل هاربر، وهو الهجوم الذي أغضب الأميركيين أكثر من عدوان هتلر على أوروبا، ومع ذلك لم تستفز البربرية النازية على مدى عامين الولايات المتحدة، وتدفعها للدخول في الحرب، نظرا لأن أياً من أراضيها لم تتعرض للغزو، وهذا أقل بكثير من الأسلوب المباغت الذي تتعامل به أيام السلم.
وحتماً فإن الأوضاع في ساحة المعركة في المحيط الهادي كان لها دور في التسبب بأهوال الحرب هناك. وكبداية لذلك جدد العسكريون اليابانيون رمز الساموراي القديم «البوشيدو»، وزرعوه في الدكتاتوريات العسكرية الصناعية الحديثة، وغسلوا أدمغة الملايين، وأقنعوهم بأن استسلامهم في ساحة المعركة يرقى لمستوى العار الوطني.
فالقوات الايطالية، وحتى القوات الألمانية المتعصبة، ربما استسلمت عندما تعرضت للحصار. ولكن، على النقيض من ذلك، لم تنته الحملات العسكرية في المحيط الهادي إلا عقب تعرض معظم الجنود اليابانيين للقتل، أو الإصابة بجروح بالغة.
وكانت عمليات التخطيط والتنفيذ اللوجستية للقوات الأميركية منضبطة، نظرا للمسافة الشاسعة عبر المحيط الهادي. ولم تكن الأمراض الاستوائية شبيهة بأي أمراض واجهوها في أوروبا.
وفي حين سمع معظم الأميركيين بصقلية، وإيطاليا، وفرنسا، فإن معظمهم لم يكن يسمع ببعض الجزر اليابانية النائية في المحيط الهادي، أو موقعها، كبليليو، وايو جيما، وقناة غودال.
ولم يكن أسطول الغزو خارج سواحل نورماندي يكترث بقاذفات النازي الانتحارية، بالطريقة نفسها التي حدثت في هجمات طائرات «الكاميكازي» الانتحارية في أوكيناوا، والتي أسفرت عن مصرع آلاف البحارة الأميركيين.
وغالباً ما كانت الغارات الأميركية الجوية التكتيكية، والقصف المدفعي المروع، واندفاع المدرعات الأميركية، أقل حظا في المحيط الهادي منه في أوروبا، بالنظر إلى الغابات الكثيفة، والتضاريس الوعرة، وطبيعة القتال في الجزر.
وكانت النتيجة اختزال القتال إلى معارك بالأيدي، وقتال بالقبضات اليدوية، بين مشاة البحرية الأميركية وقوات الامبراطورية اليابانية المتصدعة، والتي تصلب عودها نتيجة خدمتها الصارمة في الصين قبل ذلك بعقد من الزمن.
وبالنظر لكل تلك المعوقات، يبدو الآن بصورة بعيدة عن التصور أن أميركا، التي كانت شبه عزلاء في عام 1941، استطاعت هزيمة اليابان، وقضت على فكرة الروح الحربية اليابانية في أقل من أربع سنوات، وهو إنجاز يعزى بشكل رئيسي لشجاعة الجنود الأميركيين المدهشة، وخبرتهم الواسعة.
لم تكن الحرب في المحيط الهادي تتعلق بالعنصرية، أو لأن اليابانيين كانوا مختلفين، بقدر ما كانت هناك دولتان لديهما مظالم مشتركة يمكن تبرير إحداها ضد الأخرى.
وعوضاً عن ذلك، فإن الحرب الوحشية في المحيط الهادي، كانت تتعلق بوضع حد للفاشية اليابانية التوسعية، والتي سعت لتدمير كل المعوقات الديمقراطية في طريقها.
واليوم نحن مدينون لحفنة من الأميركيين الذين أوقفوا، ذات يوم، الزحف المروع للفاشية في بعض الأماكن كأوكيناوا قبل نحو 65 عاماً.
أستاذ في جامعة ستانفورد