لاشك في أن الخطوات التى اتخذها البيت الأبيض خلال الشهور الماضية، بدءًا من نشر صواريخ باتريوت في بولندا، ومرورا بالاتفاق على نشر عناصر من الدرع الصاروخية في رومانيا وبلغاريا.

وانتهاء بالتراجع عن اتفاق أوباما ـ ميدفيدف الذي توصلا له في قمة موسكو، والخاص بربط تقليص الأسلحة الهجومية الاستراتيجية بنشر الأسلحة الدفاعية... لا شك في أن كل هذه الإجراءات ستلقي ظلالاً ثقيلة وقاتمة على الانطلاقة الجديدة للعلاقات الروسية ـ الأميركية.

مع تولي أوباما السلطة، بدأ التفاؤل يجد طريقه إلى الأوساط السياسية الروسية، في ما يخص آفاق علاقات التعاون بين موسكو وواشنطن. خاصة بعد أنهى جورج بوش الابن فترة رئاسته بدعم جورجيا في شن حرب غير مبررة ضد أوسيتيا الجنوبية انجرت لها روسيا.

وبعد تسلم باراك أوباما مقاليد الرئاسة، تبدل الخطاب الأميركي، واختفت منه اللهجة العدوانية التى تسعى لفرض ما يريد البيت الأبيض بأي أسلوب، ومهما كان الثمن.

وكانت البادرة الإيجابية الأولى قرار أوباما بالتراجع عن نشر عناصر الدرع الصاروخية في تشيكيا وبولندا. ثم جاء إعلان القمة الروسية- الأميركية التى عقدت فى موسكو ليعكس نوايا أميركية جديدة، إذ اتفق الرئيسان على ربط تقليص الأسلحة الهجومية الاستراتيجية بنشر الأسلحة الدفاعية.

والتعاون في الحد من انتشار الأسلحة النووية، والعمل على توقيع اتفاق بديل لمعاهدة (ستارت-1) التي انتهى مفعولها في ديسمبر الماضي.

واللافت انه مع بداية الخريف بدأت واشنطن تتراجع عن هذه المواقف، لتتوج هذا التراجع بتصريحات هيلاري كلينتون التي رفضت مبدأ ربط تقليص الأسلحة الهجومية الاستراتيجية بنشر الأسلحة الدفاعية. بل إن واشنطن أعلنت معارضتها للتعاون العسكري الروسي الفرنسي.

حيث أبدت الإدارة الأميركية امتعاضها من قرار فرنسا الخاص بتوريد سفينة عسكرية تحمل طائرات مروحية من طراز «ميسترال» إلى روسيا، واعتبر نائب وزيرة الخارجية الأميركية جيمس ستاينبرغ أن هذا القرار غير مدروس.

كما ناشد سيناتورات الحزب الجمهوري الأميركي باريس العدول عن إبرام صفقة «ميسترال» مع موسكو، باعتبار أنها ستثير رد فعل سلبياً لدى بعض أعضاء حلف شمال الأطلسي.

وبات واضحا أن سياسات البيت الأبيض الأميركى عادت إلى المنهجية القديمة التى تعتمد مبدأ فرض حصار على روسيا، وتخلت عن التوجهات التى دعا لتبنيها الرئيس الحالي باراك أوباما.

ويبدو أن محاولات أوباما لترتيب الأمور في مجال السياسة الخارجية الأميركية والأمن العالمي لم تلق نجاحاً. إذ كشفت استطلاعات الرأي عن أن باراك أوباما بعد عام من انتخابه رئيساً فقد أكثر من 30 بالمئة من شعبيته، ليصل تعداد مؤيديه إلى نحو 52 بالمئة. ويفسر هذا الوضع تراجع البيت الأبيض عن توجهات أوباما فى السياسة الخارجية.

وتعني هذه المستجدات في السياسة الأميركية، العودة لمرحلة التوتر في العلاقات بين البلدين. والسبب في هذا التوتر هو رفض واشنطن لتقديم أي تنازلات أو البحث عن أي تسويات في العلاقة مع روسيا، لتحقيق حالة من الاستقرار في العلاقات الدولية.

إن التعارض فى المصالح الجيوسياسية ومناطق النفوذ التى تمس المصالح القومية لأطراف هذا الصراع مثل الشرق الأوسط ووسط آسيا، ممكن أن يعيد المجتمع الدولى لمرحلة المواجهات الحادة، أو حتى المسلحة على مستوى البؤر الساخنة. كما حدث في الحرب الجورجية، وفي العراق.

روسيا والولايات المتحدة في العصر النووي الحالي، وفي مواجهة تهديدات الإرهاب الدولي لابد أن يبحثا عن سبل للتعايش السلمي، حتى لو كان هذا السلام هزيلاً، إلا أنه أفضل من حرب قوية. وقد تستمر صراعاتهما أو حربهما الباردة بين تصعيد وهدنة، كما كان عليه الحال فى السابق.

وسيستمر سباق التسلح، لأن كل طرف مضطر لإثبات قدراته الدفاعية أمام الطرف الآخر، وأمام حلفائه في المجتمع الدولي. إلا أن كلاهما سيضطر لإيجاد تفاهم مشترك، إذ إن التحديات المعاصرة التى يتعرض لها المجتمع الدولي تلعب دوراً في توحيد روسيا والولايات المتحدة، بدلاً من التفريق بينهما.

بدءًا من مخاطر الإرهاب الدولي، ومرورًا بالحد من انتشار التسلح النووي. وانتهاء بمواجهة الأزمة المالية ومخاطر الهزات التى يتعرض لها الاقتصاد العالمي.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail.ru