توافد ما يقارب 200000 مسلم من عموم المناطق الفرنسية لحضور اللقاء السابع والعشرين لمسلمي فرنسا الذي استمر من 5 إلى 8 أبريل الجاري في ضاحية «بورجيه» شمال العاصمة باريس.

وكان هذا مناسبة للحديث ـ الذي لم ينقطع أصلاً ـ في مختلف وسائل الإعلام عن وضع الإسلام في فرنسا ومكانته في النسيج الاجتماعي الفرنسي.

ما أجمعت عليه وسائل الإعلام الفرنسية نفسها هو أن المسلمين الفرنسيين والمسلمين في فرنسا ينتابهم الإحساس بأنهم يُواجَهون بنوع من النفور وكأنهم جسد غريب، أو على الأقل أنهم «الحلقة الضعيفة في المجتمع» حسب توصيف رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا.

والذي يردده بأشكال مختلفة كُثر غيره.مع الإشارة إلى أن النقاش الذي جرى على نطاق واسع وبخطة حكومية خلال الأشهر الأخيرة حول الهوية الوطنية الفرنسية لم يكن بعيداً عن خلق مثل هذا المناخ.

وهذا يأتي في سياق تفكّر فيه الحكومة، كما بدا بوضوح من خلال تصريحات العديد من مسؤوليها، بإيجاد وسيلة لمنع ارتداء النقاب حتى في الأماكن العامّة.

هذا رغم الرأي المتحفّظ الذي عبّر عنه في 30 مارس الماضي مجلس الدولة الفرنسي حول هذا الموضوع. هذا المجلس يمتلك صلاحية الاعتراض على القوانين.

حقيقة الأمر هي أن المسألة تتعدّى كثيراً مسألة النقاب وقبلها مسألة الحجاب في المدارس، فالقضية في جميع الحالات لا تخصّ سوى أقليّة تكاد لا تذكر من مجموع عدّة ملايين من المسلمين المقيمين في فرنسا الذين يحملون جنسيتها أو من غير حملتها.

والمسألة تتعدّى من هو المصيب ومن هو المخطئ في الموقف من منع النقاب أو السماح بارتدائه، فهذا نقاش قد يطول، والمسلمون أنفسهم في فرنسا وغيرها لهم «اجتهاداتهم» في هذا الاتجاه أو ذاك.

لكن وسائل الإعلام الفرنسية من صحف وإذاعات وتلفزة ركّزت على قضيّة تمس عدة مئات من المنقّبات، وأبرزتها أحياناً كأنها قضية مستقبل هويّة فرنسا، وتناست ما هو أهم وأعمق. لمصلحة من؟.

اللافت للانتباه هو أن وسائل الإعلام هذه تسهم منذ البداية، ولا يمكن أن تكون غير واعية لذلك، في نشر أجواء التخويف من الإسلام في فرنسا. الصحف والمجلاّت الكبرى بكل مشاربها تحدّثت طويلاً عن فرنسا «المحجّبة»، ثمّ «المنقّبة».

وكُرّست عشرات الافتتاحيات في مجلتي «لوبوان» و«الاكسبريس» وغيرهما لما يمكن أن يصبّ في طاحونة اعتبار حضور المسلمين كجسد غريب في المجتمع الفرنسي.

ولم تكرّس وسائل الإعلام نفسها بالمقابل سوى النذر اليسير عن الوجه الآخر الحقيقي لهذا الحضور. وهو أن في فرنسا مئات الآلاف من الفرنسيين المسلمين كممثلين جرى انتخابهم على مستويات مختلفة، خاصّة على صعيد البلديات وكعاملين ورجال أعمال ومحامين وأطباء ورياضيين ـ مثل زين الدين زيدان زهرة الفريق الوطني الفرنسي لكرة القدم على مدى سنوات ـ وموسيقيين وجنود ورجال شرطة وغيرهم.

عدد الجنود المسلمين في مختلف وحدات الجيش الفرنسي غير معروف بالتحديد، إذ إن القانون يمنع القيام بأي إحصائيات للأشخاص على أساس معتقدهم الديني.

ولكنّ التقديرات المنشورة تدلّ على أنهم يشكلون ما بين 7 إلى 8 بالمئة من مجموع الجنود. وما يتم نسيانه كثيراً اليوم، أو ما لا يتم التذكير به، وهذا أسوأ، هو أن الآلاف من الجنود المسلمين قد ضحوّا بحياتهم على جبهات القتال أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية.

للتذكير كان إدوار هيريو، رئيس وزراء فرنسا الأسبق، قد قال إن حرب 1914 ـ 1918 قد كرّست الأخوّة على ساحة المعارك، حيث كان أكثر من 100000 مسلم قد«ضحّوا بحياتهم من أجل وطن مشترك، وعلى هذا الوطن أن يسجّل وبأسرع ما يمكن وبالأفعال اعترافه، ويحفظ هذا في ذاكرته».

هذه هي بعض معطيات التاريخ القريب المثبتة والمقرّة من الجميع، ولكنها شبه مغيّبة عن المشهد القائم، أو هي ملقاة في إحدى زواياه المهملة، بحيث «لا تراها» وسائل الإعلام.

بالمقابل التأكيد واضح، حتى في المناهج المدرسية، على الخصومة التاريخية بين فرنسا، وأوروبا عامّة، والإسلام منذ الحروب الصليبية والحقبة العثمانية. هذا الإرث التاريخي استفاق إثر تفجيرات 11 سبتمبر 2001.

والجميع يعترفون اليوم أن هناك أجواء من الخوف، أو على الأقل من عدم الفهم العميق، تحيط بمكانة الإسلام والمسلمين في النسيج الاجتماعي الفرنسي. وهذا ما دعا ـ بإيحاء من الرئيس الفرنسي ساركوزي نفسه ـ إلى تشكيل لجنة برلمانية للتقصّي عن أسباب تنامي مشاعر «النفور» في المجتمع الفرنسي حيال مسلميه.

المسألة تستأهل التأمّل والبحث عن تجنّب الطرق المسدودة بعيداً عما يريده أولئك الذين لا يبحثون في فرنسا سوى عن تأكيد اختلافهم، وعن ما يريده أولئك الذين لا يرون في المشهد سوى التفصيل الصغير الذي يخدم مصالحهم الآنية العابرة. وهنا للإعلام دور حقيقي، بل أقول: دور تربوي.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr