من الحقائق التي لا يختلف عليها حقيقة أن الأزمات المالية أو الاقتصادية تحدث تأثيراتها السلبية على البنية الاجتماعية للمجتمعات وتحدث تغييرات جذرية في أي مجتمع يسعى لتحقيق معدلات نمو عالية فيلجأ إلى الانفتاح الاقتصادي الذي يزيد من حجم العمالة الوافدة، فالأزمات الاقتصادية لابد وان تتأثر بها قطاعات الأعمال والوظائف التي تؤثر على دخل الفرد واستقراره النفسي والاجتماعي.

التغييرات الاقتصادية وتأثيراتها يمكن ملاحظة آثارها واضحة في دولة الإمارات التي اضطرت نتيجة هذا الانفتاح إلى الاتجاه نحو تحقيق التوازن بين تطلعاتها الاقتصادية والمطالب المجتمعية التي تتصل بثقافتها وهوية مجتمعها. وهذا الاتجاه لا يعني كما يعتقد البعض انه أمر صعب أو مستحيل في ظل انشغال الحكومة بإدارة تداعيات الأزمة العالمية.

فإدارة الشؤون الاقتصادية المتأزمة أو حتى غير المتأزمة شأن قاصر على الجهات والأجهزة الاقتصادية المعنية بهذه المسألة في حين تبقى الالتزامات الاجتماعية في رعاية ومسؤولية جهات أخرى يفترض أنها توجه سياساتها للحفاظ على بنية المجتمع وحمايتها من التأثر سلبا بما يفرضه هذا الانفتاح الاقتصادي من تعدد ثقافات وسلوكيات.

وهذه السياسات تفرض عليها إيجاد آليات تحفظ بها هوية البلد وتجعله قادرا على رفض ما يتنافى مع مرتكزات المجتمع وثوابته. مناسبة حديثنا هذا بعض الآراء التي تفسر أسباب الحملات الإعلامية التي انتهجتها دول غربية إزاء أحكام صدرت ضد أجانب بسبب ممارسات يرفضها قانون وآداب المجتمع المحلي والتي لم تكن مقبولة يوما حتى قبل بوادر الأزمة المالية.

فهذه الآراء تعتقد أن التجاوزات السلوكية والاعتراضات ضد الأحكام القانونية لم تكن ظاهرة قبل الأزمة الاقتصادية وقت استمتاع الجميع بالرفاه الذي أوجده الانتعاش الاقتصادي وظهرت أخيرا في المجتمع الإماراتي بل وزادت نتيجة انشغال الحكومة بإدارة شؤونها الاقتصادية التي شغلتها عن مراقبة السلوكيات الاجتماعية التي تنتهك مرتكزات المجتمع وهو الأمر الذي لا نؤيده بل ونعارضه بشدة بل ونطالب المؤسسات الحكومية وغير الحكومية المهتمة بالشؤون الاجتماعية بالتركيز عليها والعمل على محاسبة من يتجاوز أعراف المجتمع المحلي.

فالاقتصاد مهما كانت عوائده لا ينبغي أن يكون مبررا للتنازل عن ثوابتنا وقيمنا، ولو كان الأمر خلاف ذلك لفقدت ماليزيا أو سنغافورة أو حتى أميركا هوية مجتمعها ولما استطاعت ضبط سلوكيات المقيمين فيها من ثقافات مختلفة، البنية الاجتماعية وهويات المجتمعات هي الأساس لأي نهضة عمرانية وتقدم اقتصادي ومن يرى خلاف ذلك فليخبرنا عن النتائج التي كانت تصيب المجتمعات التي تخلت عن ثوابتها فأصبح المال أداة لبيع حقوقها.

maysarashed@gmail.com