شهدت جلسة مجلس الأمة الكويتي الأسبوع الماضي انحداراً في لغة الحوار تمثل في شتائم يندى لها الجبين تراشق بها اثنان من أعضائه، أحدهما من التكتل الشعبي ويدعى مسلم البراك، والآخر إسلامي مستقل هو عادل الصرعاوي. وقد وقعت المشادة، التي نقلتها الصحف المحلية بحرفيتها.

واحتوتها مضبطة جلسة مجلس الأمة، والتي لا يسمح الذوق العام بتكرارها، حينما جرى الحديث في تلك الجلسة عن رفع الحصانة عن النائب مسلم البراك لتقديمه للنيابة في دعوى رفعها عليه وزير المالية مصطفى الشمالي.

وقد دعا الصرعاوي إلى رفع الحصانة بالإجماع من قبل أعضاء مجلس الأمة عن البراك «لعدم وجود كيدية» لأن الطلب كما قال جاء من النيابة العامة وهي خصم شريف. وقد أدى موقف الصرعاوي هذا إلى إشعال الفتيل.

وليس هذا التراشق النيابي هو الأول، بل يجيء في سلسلة من هبوط لغة الحوار والمداولة يمثل نمطاً جديداً يخرج عن المألوف، وهو لا يحدث بين النواب بعضهم مع بعض بل وبين النواب وأعضاء الحكومة أيضاً.

وهو فوق هذا وذاك يتجاوز الكتلة السياسية الواحدة ليشمل كل توجهات الطيف السياسي الممثلة في مجلس الأمة الكويتي، مما ينذر بتطورات لا يمكن التكهن بها. وهذه ظاهرة جديدة لم يألفها العمل النيابي في الكويت الممتد في عمره لأكثر من أربعين سنة.

ومن المظاهر المستجدة أيضاً كثرة الاستجوابات والتهديد بها والتي باتت «موضة» هذه الأيام، فقد شهد المجلس استجواباً لوزير الإعلام والنفط الشيخ أحمد العبد الله قبل أسبوعين استطاعت الحكومة أن تحشد له أغلبية ضئيلة لتجنب سحب الثقة من الوزير على خلفية «قانون المرئي والمسموع» المطبق مؤخراً، والذي اتهم فيه بعض النواب الوزير بعدم تطبيقه في قضية المواطن محمد الجويهل، حيث بث في قناة السور التابعة له ما اعتبر مساً بالوحدة الوطنية حينما هاجم قبائل الكويت واتهمها بازدواج الولاء!

ومن الطريف أن ازدواج الولاء المعبر عنه بحمل جنسيتين من المسائل المثارة حالياً بقوة في الكويت، حيث يعتقد نواب القبائل أن الحديث حول هذه المسألة موجه ضدهم بالهمز واللمز أحياناً أو بصريح العبارة في أحايين أخرى من النواب الحضر، الذين دأبوا على الوقوف مع الحكومة في كل الاستجوابات التي مرت بها، وبتضامنهم معها أفشلوا طلبات سحب الثقة من وزرائها.

والحق أنه لا توجد إلا معلومات صحافية «لا يعتد بها» عن عدد مزدوجي الجنسية في الكويت، وعن الجنسية الأخرى التي يحملونها. ويعتقد أن الكثير من هؤلاء يحملون إلى جانب جنسيتهم الكويتية جنسيات خليجية وعلى وجه الخصوص الجنسية السعودية وذلك بغية الاستفادة من الخدمات التي تقدم للمواطن الحامل الجنسية في البلدين.

وثمة محاولات جادة وتعاون مشترك من سلطات دول مجلس التعاون لتحديد هؤلاء المزدوجين. وتقوم السلطات الكويتية منذ مدة في حال اكتشاف حالات من هذا القبيل بتخيير صاحبها بين الجنسية الكويتية والجنسية الأخرى التي يحملها منعاً للازدواج.

ورغم جو الكآبة والإحباط الذي يثيره عمل مجلس الأمة وشطط أعضائه وقلة إنتاجيتهم، إلا أن ثمة صورا أخرى مشرقة تدعو إلى التفاؤل، فقد جرت في الأسبوع الماضي انتخابات غرفة تجارة وصناعة الكويت، التي أثير حول «شرعية وجودها» لغط كثير مؤخراً، وقد شارك في تلك الانتخابات جمهور كبير من أعضاء الغرفة بلغ عددهم 6213 عضوا في جو ديمقراطي بهيج.

وللمرة الأولى في عمر الغرفة، التي أنشئت في العام 1959 اقتحمت المرأة الكويتية آخر معاقل الرجال لتفوز وفاء أحمد القطامي بعضوية مجلس الإدارة القادم ويكون نصيبها 4681 صوتاً، متوجة مسيرة طويلة للمرأة الكويتية في نيل حقوقها وأخذ دورها في مجتمع الكويت الجديد.

ولا شك أن الكل يتطلع في الكويت إلى مرحلة وفاق بين السلطتين، مرحلة لالتقاط الأنفاس والانطلاق ثانية نحو مرحلة جديدة من مراحل التنمية، حيث ثمة توجه حكومي قوي إلى طرح مشاريع كثيرة بالذات تلك المتعلقة بالبنية التحتية مما سيؤدي إلى تحريك الاقتصاد الكويتي الذي تأثر بالأزمة العالمية الأخيرة.

وهذه كلها متوقفة على التفاهم المنشود بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بعد أن قدمت الحكومة برنامجها للمجلس.

وسيساعد تحسن أسعار النفط خطة الحكومة الطموحة والتي من أبرز ملامحها إنشاء ميناء ضخم في جزيرة بوبيان في الجزء الشمالي من الكويت المحاذي للعراق، مع بناء مدينة كبيرة في المنطقة ستعتمد على أعمال التجارة والنقل والترانزيت، مع جسر موصل بين مدينة الكويت وتلك المنطقة بمسافة خمسين كيلومتر تقريباً يشق جون الكويت.

إلى جانب تجديد الطرق وإنشاء طريق رئيسية دولية محاذية للحدود السعودية، والتنقيب عن النفط في مناطق الشمال، التي لا زال القرار يراوح في مكانه وذلك بسبب اعتراضات المجلس وملاحظاته.

ستكون الجلسات القادمة جلسات مهمة في الحياة النيابية الكويتية، فإما أن يثبت مجلس الأمة الكويتي إنه قادر على توجيه عملية التنمية والاعمار، من خلال وجود الخطة الحكومية التي هي أمامه والتي قدمت لأول مرة في تاريخ الحياة البرلمانية، أو إنه يفوت هذه الفرصة التاريخية على الشعب الكويتي في استمراره بالجدل العقيم.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com