كلما تابعت ما يجري في أميركا الآن، تذكرت أميركا الستينات. فالولايات المتحدة دخلت منذ صدور قانون الرعاية الصحية، مرحلة خطيرة وصل فيها الغليان لمستويات قد تنذر بعنف بلا حدود، يعيد إلى الأذهان فترة الستينات.

فالستينات شهدت أحداثا كبرى كثيرة.

فهو العقد الذي تبنى فيه ليندون جونسون ما صار يعرف ببرامج «المجتمع العظيم»، أي تلك التي كانت تهدف لمد شبكة الرفاهية الاجتماعية. ومن هنا، أنشئ وقتها ما صار يعرف ببرنامج الرعاية الطبية، الذي يضمن الرعاية الصحية مدى الحياة لكبار السن.

وقد وجهت لجونسون وقتها اتهامات مشابهة لتلك الموجهة اليوم لأوباما، فهو اتهم بأنه خلق «اشتراكية» في مجال الرعاية الصحية. والحقيقة أن ذلك الاتهام لم يسلم منه أي رئيس أميركي حاول إصلاح الرعاية الصحية، منذ عهد روزفلت.

غير أن المقارنة بالستينات ليس المقصود بها ما حدث عند تمرير قانون الرعاية الطبية، وانما ما حدث عند تمرير قانون الحقوق المدنية. فردود الأفعال المتطرفة التي نشهدها اليوم في أميركا، لم ترتبط بقوانين الرعاية الصحية في الستينات، وانما ارتبطت بقانون الحقوق المدنية.

والسبب واضح، فهو القانون الذي كاد يغير وجه الحياة في أميركا بالكامل، بل ويعيد تعريف الهوية الأميركية، بعد أن كانت مقتصرة على البيض. فالقانون منح الأقليات حقوقا مدنية متساوية، لذلك كانت المقاومة بالغة الشراسة، واتسمت لغة معارضيه بعنف لفظي تحول لاحقا إلى عنف مادي، تمثل في تدمير واغتيالات وغليان شديد في تلك الفترة.

لذلك، من يتابع ما يحدث في أميركا اليوم، لا بد وأن يثيره التشابه مع الستينات. فبمجرد مرور قانون الرعاية الصحية في مارس الماضي، انطلق عدد من الجمهوريين في أكثر من عشرين ولاية.

يرفعون قضايا أمام المحاكم تزعم أن القانون غير دستوري لأنه يناقض التعديل العاشر للدستور، والذي ينص على أن الصلاحيات التي لم يمنحها الدستور صراحة للحكومة الفيدرالية تظل من اختصاص الولايات أو الأفراد.

ويزعم المتقاضون أن القانون الجديد غير دستوري، لأنه يعتدي على «حقوق الولايات».

والحقيقة أن حكاية «حقوق الولايات» تلك، ظلت دوما إحدى أهم الحجج التي استخدمها الذين رفضوا إنهاء الفصل العنصري وإعطاء حقوق متساوية للسود، حتى أنها صارت تعبيرا شفريا له دلالات عنصرية يعرفها السود وغيرهم من الأقليات جيدا.

وفي الستينات أيضا كانت هناك جماعات راديكالية متطرفة، أخذت على عاتقها التعامل مع الموقف عبر استخدام العنف المسلح، بزعم حماية الدستور أو بزعم حماية حقوق الأفراد أو الولايات.

وما يثير الانتباه هو أن عدد تلك التنظيمات المتطرفة المدججة بالسلاح، قد زاد وفق إحصائية صدرت مؤخرا، بنسبة 40% منذ تولى أوباما الرئاسة.

غير أن هناك متغيرا جديدا لم يكن موجودا في الستينات بالوضوح نفسه، ويزيد من خطورة الموقف الحالي، وهو موقف الجمهوريين، أي الحزب المعارض.

ففي الستينات، عارض الجمهوريون مشروع الحقوق المدنية بشراسة، لكن بمجرد مروره استخدم أغلبهم لغة عاقلة، اعتبرت أن صدور القانون معناه أنه صار جزءا من المنظومة القانونية الواجب احترامها.

أما اليوم فمن يتابع الجمهوريين يجدهم فريقين، الأول يلتزم الصمت إزاء اللغة المتطرفة التي تستخدم في التظاهرات والاحتجاجات وعلى شاشة فوكس نيوز وغيرها، بينما الفريق الثاني يصب الزيت على النار فيزيد من تأججها، عبر لغة تنطوي على عنف لفظي هائل.

فعلى سبيل المثال، حين تلقى أعضاء الكونغرس الديمقراطيون تهديدات بالقتل ورشقت مكاتبهم بالحجارة بعد صدور قانون الرعاية الصحية، لم تتبن رموز الحزب الجمهوري الإدانة الواضحة لما يحدث، بل استخدم بعضهم لغة يفهم منها التعاطف مع «الغاضبين».

أكثر من ذلك، استخدمت رموز جمهورية أخرى لغة بالغة العنف. فعلى سبيل المثال، سارة بيلين التي كانت نائبة لجون ماكين في حملة الرئاسة الماضية، دعت معارضي القانون إلى «إعادة الشحن»، وهو تعبير دارج يستخدم في مواقف كثيرة، من أهمها إعادة شحن السلاح بالذخيرة الحية تمهيدا لاستخدامه.

وقد استخدم عضو جمهوري آخر تعبيرات من نوع «دعونا نعاجلهم باللكمات ونظل نضرب حتى النهاية»، بينما صرح عضو جمهوري سابق بأن أوباما تم انتخابه، لأن أميركا توقفت عن إجراء امتحانات القراءة والكتابة.

وهو تعبير له دلالات عنصرية فجة، لأن تلك الامتحانات كانت تستخدم في زمن العنصرية لحرمان السود من التصويت. أما عضوة الكونغرس ميشيل باكمان، التي ادعت أن أوباما أنشأ معسكرات سرية تتم فيها تعبئة النشء وتربيتهم على الماركسية، فلم يصدر صوت جمهوري واحد يتحدى ما تقوله أو يفنده.

والحقيقة أن ما قالته باكمان يغذي أفكار أكثر الجماعات تطرفا في أميركا. فتلك الجماعات تؤمن بأن هناك مؤامرة لإنشاء حكومة عالمية، وأن الحكومة الأميركية ستخضع لها، بينما سيتم وضع الوطنيين المعارضين لها في معسكرات اعتقال سرية، بعد الإعلان عن العمل بقانون الطوارئ.

لكن هذا كله مغلف بعنصرية لا تخطئها العين. فبعض تلك الجماعات يؤمن بأن الله قد وهب أميركا للبيض وحدهم، ومن ثم ليس من حق كائن من كان، بما في ذلك الحكومة، أن يفرض شيئا على البيض. فما بالك إذا كان على رأس تلك الحكومة رئيس أسود!

والعنف قد بدأ فعلا في أميركا، لكن الأهم هو رد فعل الجمهوريين إزاءه، فبعد أن اقتحم متطرف من تكساس بطائرته مبنى هيئة الضرائب الفيدرالية، إذا بعضو الكونجرس الجمهوري ستيفن كينغ، بدلا من أن يدين العمل يدين الهيئة نفسها، قائلا إن «الهيئة بالغة السوء، ولو كانت قد ألغيت منذ سنوات كما طالبنا لما حدث ما حدث».

باختصار، أطلق الجمهوريون مارد العنف من قمقمه، لأسباب انتخابية قصيرة النظر. وليس واضحا بعد ما إذا كان بإمكانهم أو بإمكان غيرهم، السيطرة على ذلك المارد إذا لزم الأمر.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com