القارئ لتقارير التنمية البشرية الدولية والعربية التي يشارك في إصدارها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، يجدها سلطت الأضواء على قضايا محورية، ما زالت تشغل صناع القرار وكافة المهتمين بقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ولعل ما يثير الاهتمام أن تقارير التنمية البشرية تجاوزت المفاهيم التقليدية لنظريات التنمية الاقتصادية، التي تركز على النمو الاقتصادي باعتباره العصا السحرية التي تحدث التنمية.

إلا أن أطروحات الفكر التنموي المعاصر تجاوزت نظريات النمو الاقتصادي، مما جعل قمة التنمية الاجتماعية التي انعقدت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن في صيف 1995، تدعو إلى ضرورة جعل التنمية الاجتماعية رديفاً للتنمية الاقتصادية.

إن السبيل لبلوغ غاية التنمية المستدامة، هو توسيع الخيارات أمام الناس، بما في ذلك الأجيال القادمة،وذلك بانتهاج التخطيط الاستراتيجي المجتمعي.. فما عاد التخطيط الاقتصادي منفرداً بوسعه قيادة العملية التنموية، كما أن التنمية الاقتصادية وحدها لا تحقق تنمية مستدامة.

لقد قرأت باهتمام ما يثار لدى البعض، من أن حركة تطور المجتمع الإماراتي تدين إلى النهضة الشاملة التي بادرت بها القيادة الرشيدة في طلائع السبعينات، والتي ركزت على قضايا البني التحتية وتوفير فرص التعليم وخدمات الرعايا الصحية، مما جعل الإمارات في سنوات محددة تنافس كبرى الدول.

ودون الدخول في حجم إنفاق الدولة على الصحة والتعليم والخدمات المجتمعية الاخرى، يتبين أن قدرا كبيرا من ميزانية الدولة يتم توجيهه لقطاع الخدمات الاجتماعية.

ولعلى أشير هنا إلى حجم ما تقدمه الدولة من مساعدات اجتماعية لعدد معين من الفئات والشرائح الاجتماعية، كفئة المطلقات والمهجورات وكبار السن والعجزة والمعاقين وأسر نزلاء السجون والمؤسسات الإصلاحية ومن في حكمهم.. وهي خدمات تدخل في نطاق الرعاية الاجتماعية.

لذلك تعتبر الرعاية الاجتماعية أحد أهم الواجبات التي تقوم بها الدولة، اعترافا منها بحقوق شرائح وفئات اجتماعية تستحق الرعاية بحكم المواطنة..

إلا أن الدولة تضاعف جهودها في دعم العملية التنموية، للتوسع في البنية التحتية وتشييد المساكن والمدارس والمستشفيات ومراكز التأهيل والتدريب، والعناية بالشباب والرياضة والثقافة والتراث.

مما جعل دولة الإمارات تتصدر قائمة الدول الناشئة، إذ أن الرعاية الاجتماعية هي نسق من الخدمات الضرورية التي تعمل الدولة على توفيرها لأفراد المجتمع لاشباع حاجاتهم الضرورية، وهي حاجات متجددة أبدية..ولذا ستظل الرعاية الاجتماعية مطلبا مجتمعيا لا غني عنه، ولا يمكن تجاهله أو الانصراف عنه أو استبداله.

إن الانتقال من مجتمع الرعاية إلى مجتمع التنمية، دعوة «أفلاطونية» لا وجود لها على أرض الواقع..

فمع الإقرار بأهمية التنمية كحركة لريادة العمل التنموي المؤسسي لبلوغ الرفاهية، إلا أن الرعاية الاجتماعية تعتبر أحد أهم محركات العملية التنموية، كما أشار إلى ذلك خبراء إقليميون ودوليون، من خلال تقرير التنمية العربي الذي صدر عن الجامعة العربية.

إن الفصل بين الرعاية والتنمية محكوم عليها بالفشل، ما دام في مجتمعنا أطفال، وكبار في السن، وذوو احتياجات خاصة، ومرضى ومطلقات، وأرامل، ونزلاء مؤسسات إصلاحية، ومهجورات، ومتقاعدون، وهي شرائح تحتل موقعاً متقدماً في الهرم السكاني، لا يمكن التنازل عن حقوقهم في الرعاية وإركابهم في قاطرة التنمية، والتي لا يمكنها السير إلا بعجلات الرعاية.

إن الدور المتعاظم للتنمية، لا يمكن بحال من الأحوال أن يلغي أهمية الرعاية الاجتماعية.

وللتأكيد على ذلك يمكن الرجوع إلى الأهداف الإنمائية للألفية، وهي أهداف تعتبر الرعاية أحد أهم استحقاقاتها الاستراتيجية، والتي نشرها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، والمقرر أن يتم تطبيقها عام 2015، وجدير بالذكر أن دولة الإمارات ملتزمة بهذه الاستراتيجية، وكانت وزارة الاقتصاد قد أصدرت تقريرين بهذا الشأن.

إن المجتمعات عبر التاريخ لا تنتقل من مرحلة حضارية إلى مرحلة حضارية أخرى، بجرة قلم أو برأي شخصي، لأن الحراك الاجتماعي عملية بطيئة ترتبط بعوامل سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، مترابطة ومتداخلة مع عوامل إقليمية ومؤثرات دولية.

ومن هذا المنطلق، دعونا من تمكين مجتمع الرعاية الإنمائية.. ولنتمسك بالمجتمع الذي يسير في اتجاه الرفاهية الاجتماعية المستدامة، حيث تتوفر وتتوسع خدمات الرعاية وعمليات التنمية، لتوسيع الخيارات أمام جميع أفراد المجتمع، حاضرا ومستقبلا.

كاتبة إماراتية

moza@bnig.ae