لم يعد أمراً قابلاً للنقاش والأخذ والرد في جميع الأوساط الاجتماعية المحلية، ضرورة إشعال جذوة العلم وطلبه لدى أبنائنا، وإسداء النصيحة تلو النصيحة لجيل الشباب بالتمسك بسلاح العلم وصعود سلم التفوق، ونيل الدرجات والشهادات التي ستمكنهم من الوقوف على أرض راسخة، تحميهم من هزات الحاضر والمستقبل.
ولم يعد خافياً لكل ذي بصيرة، ذلك الحرص الأبوي الكبير من أصحاب القرار، على تذليل جميع العقبات التي قد تقف في وجه طالب العلم من الجنسين، ودفع الشباب لولوج المستقبل من بوابة المعرفة، والاعتداد بالعلم على اعتبار أنه قوام نهضة المجتمع، والزاد القادر على رفد مسيرة الجيل بالوقود اللازم لاستمرار صعودها ونهوضها.
غير أن تجاوب الشباب مع هذا التوجه النير، وتنافسهم في طلب العلم ونيل الشهادات والدرجات، يبقى نصف الطريق الضامن لمستقبل آمن، ليكون النصف الآخر هو استثمار هذا المنتج العلمي المبدع والشاب المتفوق الحامل للشهادة الجامعية، في المكان المناسب الذي يحفظ له كرامة شهادته التي يحملها.
فالحصول على الوظيفة قضية مسلمة وواجب اجتماعي يفرض حضوره، كهدية متواضعة يستلمها الشاب بعد سنوات طويلة من المسيرة العلمية، الحافلة بالمشقة والسهر والقراءة والمراجعة والامتحانات، ولتكون بدورها هذه الهدية قاعدة انطلاق جديدة، يقفز من خلالها إلى عالم العطاء المثمر الذي يعود بالنفع عليه وعلى المجتمع.
ولا شك أن السعي الحثيث من أجل تأمين الوظيفة لطالبها من أبناء الوطن، يقتضي تضافر كافة الجهود وتوجيهها نحو اختصار الطريق أمام الشباب، ليدخلوا سوق العمل من جميع أبوابه، وبما يتناسب مع تخصصاتهم وكفاءاتهم، وبما يحقق في النهاية الغاية الكبرى، ألا وهي تعزيز المواطَنة والارتقاء بالهوية الوطنية.
هذه الجهود التي نتكلم عن ضرورة تضافرها وتوافرها، لا بد لها من مدى واسع من الرؤية الفاحصة لأوضاع المجتمع، تتسع من البدايات لترصد حاجة السوق ومتطلبات مستقبل العمل وما يريده الوطن.
ولتمتد وصولاً إلى تكييف دراسة الطلبة وتوجيه اهتماماتهم بما يتواءم مع تلك الحاجة، من دون أن يفني الطالب عمره في دراسة مناهج وتخصصات لا تجد لها الميدان المناسب لتظهر في حيز الوجود، عملاً وإنتاجاً ونهضة وبناءً.
والحقيقة التي تنبغي الإشادة بها في هذا المجال، هي ما تؤمنه معارض التوظيف المختلفة من فرصة للتواصل بين الخريج الباحث عن الوظيفة ونافذة سوق العمل، وبما يتيح له الاحتكاك الملائم الكفيل بصقل المواهب وبناء الخبرات، وتطبيق الكم الهائل من الزخم النظري الذي تلقاه الطالب في سنوات الجامعة على الواقع العملي.
والذي يؤكد الحرص الكبير من أصحاب القرار على ترسيخ هذا الهاجس في نفوس المسؤولين في نوافذ سوق العمل من الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص، هو زياراتهم الكريمة لمعارض التوظيف، في رسالة واضحة بضرورة وضع توطين الوظائف في أولى الأولويات.
ومن ذلك بالأمس القريب زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، لمعرض الإمارات للوظائف.
وتوجيهه بفتح أبواب التوظيف لأبناء وبنات الوطن من خريجي وخريجات الجامعات والكليات والمعاهد، حتى يتسنى لهؤلاء الشباب الانخراط في سوق العمل واكتساب الخبرة وصقل الموهبة، وتأكيده ضرورة التنسيق بين الجهات المعنية، من أجل استيعاب أفواج الخريجين.
حتى لا يكون هناك عاطلون عن العمل في دولة تنعم بالخير والاستقرار والمشاريع التنموية التي تحتاج إلى سواعد وطاقات أجيال الوطن، كي يسهموا في مسيرة النهضة والتنمية المستدامة.
ولا نبعد كثيراً إن جزمنا أن أبناءنا وبناتنا الخريجين، يضعون نصب أعينهم هذا الحرص الدؤوب على استثمار جهودهم في البناء، الشيء الذي ينبغي أن يتجلى بحثاً عن الأنفع وسعياً نحو الأجدى في ما يخدم خطط التنمية ويرسخ معاني الهوية الوطنية، ويزيد من حضور أبناء الوطن في كافة الميادين، شباباً فاعلين وكوادر حريصة على منجزات بنيت بسواعد المخلصين.
مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»