إذا كانت الأحداث الاستراتيجية تُقرأ من أبعادها الدولية المختلفة وآثارها على المحيطين الإقليمي والعالمي، فإن الاتفاقية المفترض توقيعها بين الرئيسين الأميركي والروسي في براغ بعد أيام قليلة، ستحتل موقعا بارزا في هذا السياق.
فهي ستكتسب أهمية بالغة من الناحية الاستراتيجية، باعتبارها ستحلّ مكان اتفاقية «ستارت» الموقعة في العام 1991 وانتهت صلاحيتها نهاية العام الماضي، وستتمحور كما بات معروفا حول مسألة خفض ترسانة البلدين من الأسلحة النووية، بأعداد تم التوافق حولها خلال الأشهر القليلة الماضية.
ويكتسب مكان التوقيع أهمية رمزية خاصة، نظرا للاعتبارات الكثيرة المرافقة للتطور الجيوسياسي في العالم عموما، ومنطقة أوروبا تحديدا، بعد سلسلة التطورات التي جرت خلال العشرين عاما الماضية، منذ التوقيع على اتفاقية «ستارت» آنفة الذكر وحتى يومنا هذا.
ففي وسط أوروبا انطلقت التغييرات الشاملة والمتسارعة، التي أدّت في نهاية المطاف لرسم آفاق التطور اللاحق. وفيها رُسمت معالم الحقبة التالية التي اتّسمت بالمواجهة الجديدة بين روسيا وحلفائها المخلصين من جهة، وحلف الناتو بشكله المتغير والمتقلب دائما.
وفي هذه المنطقة برزت عناصر توتر جديد بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية، بسبب الدرع الواقية من الصواريخ المعادية، والتي لولا التغييرات الجذرية التي طرأت على طريقة إدارة العلاقات الدولية من قبل الإدارة الأميركية الجديدة، لكانت الأمور قد تطورت إلى ما هو أبعد من «مجرد» توتر دبلوماسي بين البلدين.
وفي براغ تحديدا وعد الرئيس أوباما في خطابه الشهير، بالعمل من أجل الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل وتقليص حجم الترسانة النووية، ويبدو أن اختيار هذا الموقع الجغرافي كمكان للتوقيع على المعاهدة الجديدة، يهدف لإرسال أكثر من إشارة من الدولتين العظميين وفي أكثر من اتجاه..
أولى تلك الإشارات مرتبطة بلا شك بالعمل من أجل تنفيس الاحتقان الدولي، في ما يخص سباق التسلح في المجال النووي، وتقديم مثال «سلمي» للدول الأخرى الراغبة في امتلاك هذا السلاح، وإقناعها بالتعاون من أجل تغليب الخيار السلمي الذي تستفيد منه البشرية.
وربما تكون إيران هي المقصودة بهذه الإشارة، انطلاقا مما يحكى عن رغبتها الجامحة في امتلاك السلاح النووي، وسعي بعض الدول الكبرى والصغرى لمنعها من ذلك.
ثانية تلك الإشارات قد تكون مرتبطة بالطريقة الجديدة التي تبنّتها الإدارة الأميركية، في ما يخص تعاطيها مع روسيا ومصالحها الاستراتيجية في أوروبا.
وكما بات واضحا منذ استلام هذه الإدارة لدفة القيادة في واشنطن، فإن مشروع الدرع الواقية من الصواريخ المعادية، والذي كان من المفترض أن يتموضع في كل من تشيكيا وبولندا، قد تراجع من أولويات الاهتمامات الأميركية، وانعكس بشكل واضح على أداء دبلوماسيتها في هذه المنطقة من العالم.
ورغم الإحباط الذي تسبب به هذا الأداء لمناصري أميركا في هذه المنطقة، فإن اختيار منطقة وسط أوروبا للتوقيع على المعاهدة التي ستخلف «ستارت».
يثبّت في الحد الأدنى نيّة إدارة أوباما لطبع العمل الدبلوماسي الاستراتيجي بصبغة سلمية توافقية، وتاليا العمل من أجل تنفيس الاحتقان القائم في أوروبا تحديدا، بسبب السياسة التي كان يتبنّاها سلفه.
وهذا ما تريده روسيا أيضا. فهي لمست في السابق وطأة التهديد القائم ضد مصالحها الاستراتيجية في أكثر من مكان، واستشعرت حتما مشاعر الكراهية ضدها من قبل بعض المغامرين في وسط أوروبا، والذين كانوا يحاولون جعل ذلك الحقد وقودا لصراع أكثر شمولية، بحجة تكريس الانتماء الجديد لدولهم.
ويبدو أن موسكو تسعى لاستثمار الوضع الذي سينشأ بعد التوقيع على المعاهدة الجديدة، بهدف تعزيز أطر التواصل مع دول وسط أوروبا، والذين آثروا اليوم أن يكونوا ضمن معسكر «المواجهة» مع روسيا.
وهناك بالتأكيد آفاق كثيرة لتعزيز التواصل بين تلك الدول، لا سيما على الصعيد الاقتصادي الذي يعد بفرص ضخمة جدا يعيها الطرفان.
ولا شك أن موضوع العمل من أجل خفض ترسانة الأسلحة النووية أو أسلحة الدمار الشامل، قد ظلّ مرافقا لأداء الدولتين العظميين إبان حقبة الحرب الباردة وبعدها أيضا.
وبالرغم من أن ذلك كان يعتبر دائما من المواضيع الاستراتيجية الحساسة التي لا يسمح للدول الأخرى «الصغيرة» أن تعبث بها بأي شكل من الأشكال، إلا أنه لا يجب تجاهل بعض المبادرات التي بذلت خلال الفترة الماضية للاستمرار في تحقيق هذا الحلم.
أهم تلك المبادرات، هي تلك الصادرة في وقت مضى عن وزيري خارجية بولندا «راديك سيكورسكي» والسويد «كارل بيلد»، والتي تمحورت بشكل خاص حول إزالة الأسلحة النووية التكتيكية من القارة الأوروبية، حتى لو تضمّن الأمر تبنّي خطوات أحادية الجانب من قبل الدول المستضيفة لتلك الأسلحة، باعتبارها «مخلفات من حقبة الحرب الباردة».
أما ثاني المبادرات فكانت تلك المعمّمة من قبل وزراء خارجية خمس دول أوروبية (بلجيكا، ألمانيا، هولندا، النروج، لوكسمبورج) قبل فترة وجيزة، والتي طلب فيها الوزراء من أمين عام حلف الناتو إطلاق حوار جدي بشأن السياسة النووية للحلف.
لكن في جميع الأحوال، فإن ما يهمّنا في الوقت الحاضر هو النية الطيبة التي توفّرت لدى الإدارتين الأميركية والروسية، للاستمرار في عملية تنفيس الاحتقان النووي السائرة ببطء منذ أعوام بعيدة.
هذا ما بيّنه الرئيس أوباما من خلال برنامجه الجديد، المرتبط بالبرنامج النووي الأميركي وخطط الدفاع الاستراتيجي، وهو ما بينته روسيا في أكثر من مناسبة.
يبقى أن نأمل أن يقتنع الجانبان (وغيرهما) بأن الأسلحة النووية، لا يجب بالضرورة أن تشكّل أهم عناصر القوة في السياسة الدفاعية الاستراتيجية.
كاتب لبناني