يعيش السودان هذه الأيام أزمة عاصفة كان يمكن تجنبها بقليل من الحكمة، لأن الأزمة عادة ما تعرّف بأنها الفجوة بين الواقع والإمكانات، حيث تكون الإمكانات قادرة على تلبية حاجات الواقع، ولكنها لا تستخدم بطريقة جيدة لكي تلبي هذه الحاجة.
فالسودان لديه عدد هائل من السياسيين والمحللين والنشطين والمهتمين، ولكنهم عند المواقف المحتاجة لحلول وأجوبة، يصابون بالحيرة والارتباك والعجز. ففي الأزمة الحالية، كل الأطراف لديها الإمكانات لمواجهة القضايا والمشكلات الراهنة باقتدار، لو أحسنت استخدام إمكاناتها.
وأقصد: المفوضية القومية للانتخابات، وحكومة الوحدة الوطنية، ثم الأحزاب السياسية المعارضة. ولكن عيوبها وقصورها تطغى على حسناتها وإمكاناتها، في الوقت الذي تحتاج فيه لشحذ هذه القدرات واستخدامها بأفضل ما يكون.
والآن تسود المغالطات وتغطي الحقائق تحت المصالح، ليخرج منها منطق غريب. ويمكن لأي مسألة أن تكون هي الحقيقة ونقيضها، وفي ما يلي نماذج لهذا التفكير.. يكاد يتفق الجميع حول أن المفوضية شكلت من عناصر جيدة التكوين والكفاءة، وذات خبرة ومستقلة حزبياً.
ولكن نفس هذه المجموعة سرعان ما فقدت ثقة الأحزاب المعارضة، وصارت جزءاً أصيلاً من الأزمة، فكيف حدث هذا التحول السريع؟ لا تحتاج المسألة هنا للتحليل السياسي، بل يساعد فهم الشخصية السودانية أكثر في تفسير سلوك ومواقف المفوضية.
فقد شعر أفراد المفوضية بأن نقد المعارضة لهم يتزايد باستمرار، وأنها لا تذكرهم بالخير أبداً، وهنا تكوّن موقف داخل المفوضية لا يعطي الاهتمام اللازم لاحتجاجات الأحزاب.
وبالطبع هذا الموقف المتجاهل لاعتراضات الأحزاب، يجيّر لصالح المؤتمر الوطني، حتى وإن لم يتدخل المؤتمر الوطني مباشرة في توجيه المفوضية أو التأثير عليها.
واعتقد أن بداية الخروج من الأزمة في يد المفوضية القومية للانتخابات، وهذا ما توحي به أحاديث المؤتمر الوطني ومذكرات الأحزاب المتتالية للمفوضية.
لذلك، المفوضية مطالبة بتغيير في مواقفها يتسم بالموضوعية والوطنية معا، وأن تتزحزح عن موقفها شبه الثابت تجاه المعارضة. وهناك مطالب من قبل المعارضة التي دأبت على تحويل المسؤولية على المفوضية، من اجل تأجيل الانتخابات، ولو لأسابيع محدودة.
غير أن الرئيس البشير قال إن الانتخابات لن تتأجل ولو ليوم واحد! ولكن يمكن للمفوضية الخروج من هذا المأزق، فالتأجيل لا بد أنه سيحدث لأسباب فنية ولوجستية، وليست سياسية، إذ ما زال بعض البطاقات لم يجهز بعد.
ويجب الا يتخذ موضوع التأجيل كقضية تحد وكسر إرادة الطرف الآخر. وهذا أسلوب في التنافس السياسي لا يصلح لبلاد الأزمات مثل السودان، والذي يحتاج أكثر لأسلوب المساومات والحلول الوسط.
ولكن من الملاحظ أن الساسة يحاولون إقحام «الرجالة» السودانية في القضايا التي يرتبط بها مستقبل وطن بأكمله،.
حسب ما تقدم، يتضح لنا أن مسؤولية المفوضية الوطنية للانتخابات تصبح مضاعفة، وعليها أن تخرج سريعاً من دائرة الصراع الحالية، وأن تكون فوق كل الحساسيات. فهي في الحالة السودانية بديل ـ نسبة لتعقيدات معينة ـ بمثابة الحكومة القومية الانتقالية المشرفة على الانتخابات.
فالمؤتمر الوطني الحاكم وضع فيتو على مقترح قيام حكومة قومية انتقالية، مستندا على تقسيم اتفاقية السلام الشامل، باعتبار أن تغيير النسب يلغي الاتفاقية. وهذا مبرر ضعيف للغاية، ولذلك لم يتبق غير قومية المفوضية كضمانة لحرية ونزاهة وسلمية الانتخابات.
ويلاحظ أن الأحزاب تذهب بعيداً حين تطالب بتغيير المفوضية واستبدالها بأخرى جديدة. وهذا اقتراح سيجد المقاومة من المؤتمر الوطني، باعتبار أن الأحزاب لم تعترض على تكوين المفوضية من البداية، بالإضافة إلى عامل الزمن.
ولكن هناك مخالفات مالية وإدارية ادعاها بعض الأحزاب على أعضاء في المفوضية، فهذه مسألة خطيرة ولا بد من التحقيق فيها قضائيا، لإجلاء موقف المفوضية ككل وتبرئة الذمّة.
ومثل هذا الإجراء ضروري لإبعاد الشبهاتتتسم الأزمة الحالية بانتشار المغالطات التي تتوسل المنطق والعقلانية، كما أنها تعجز عن التواصل جيداً، وقد تتعمد سوء الفهم. فمن البداية، تتحدث عناصر المؤتمر الوطني وكأن المعارضة تطالب بإلغاء الانتخابات كلية، وبالتالي الحديث عن الاستحقاق الشعبي لا معنى له، لأنه ليس هناك من ينكر هذا الاستحقاق.
فمن الواجب التحاور حول: هل توجد أي موانع دستورية أو سياسية متعلقة باتفاقية السلام الشامل، تمنع أو تحرم تأجيل الانتخابات أو حتى الاستفتاء؟ ولا بد من القول إن هذه القضية رغم أهميتها، إلا أن دوافعها ومنطلقاتها حزبية بحتة، ولا صلة لها بمصلحة الوطن أو تطور الديمقراطية.
ولكن التأجيل صار قضية حاسمة تهدد العملية الانتخابية كلها. فمن الواضح أن الأحزاب السياسية فوتت فرصة الاستعداد الجيد للانتخابات، وبالذات عملية تكثيف التسجيل، كما أنها لم تتابع الإجراءات السابقة للانتخابات، مثل الإحصاء السكاني وتكوين المفوضية.
ويرجع سبب هذا التقصير، إلى أن الأحزاب المعارضة لم تكن واثقة من جدية المؤتمر الوطني في إجراء الانتخابات. لذلك تساهلت في القيام بدورها الرقابي وتحمل مسؤوليتها الحزبية في التنافس.
ومن ناحية المؤتمر الوطني، فقد نجح في هندسة هذه المرحلة من الانتخابات، بطريقة جعلته يتوقع اكتساح خصومه. كما وظف المؤتمر الوطني كل خبراته في السلطة، من أجل إكمال معادلة صعبة، وهي كيف تقيم انتخابات ديمقراطية بوسائل شمولية؟
وهذا يعني استخدام الأجهزة الأمنية وأموال وتسهيلات الدولة، وبالذات الإعلام والمواصلات والأماكن. ومن سجالات ومغالطات الأزمة الراهنة التي يرددها المؤتمر الوطني، أن الانتخابات معلنة منذ توقيع الاتفاقية عام 2005، فلماذا لم تستعد الأحزاب؟
سؤال يبدو منطقياً، ولكن غياب شروط وبيئة التحول الديمقراطي، أي استمرار نفاذ القوانين المقيدة للحريات، جعل من المستحيل قيام نشاط حزبي حر.
لا بد للقوى السياسية السودانية من البحث عن أرضية قومية مشتركة ومجردة من الحزبية، بقصد الخروج من هذا النفق، وأن يأتي الحل سودانياً لا ينتظر وساطة غريشن.
كاتب سوداني
