كثيرون من الساسة الدوليين الذين تعاملوا مع القضية الفلسطينية مارسوا ازدواجية المعايير في مواقفهم من اسرائيل والفلسطينيين لكنهم كانوا دائما حريصين على اللعب بالكلمات لتبرير مواقفهم وسرعان ما كان النسيان التلقائي أو المصطنع يلف تلك المواقف وتبريراتها لكن المفارقات احيانا تفضح مواقف الى حد يصعب معها اخفاء التناقضات في المواقف .

نحن الآن أمام موقفين صنعتهما المفارقة ودخلا تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي كشاهدين على غثاثة فكر الساسة الذين حاولوا الظهور بمظهر الوسيط النزيه في الصراع العربي الاسرائيلي .

الموقف الأول يتعلق بقضية الجوازات الاوروبية التي استخدمها قتلة المبحوح في دبي وهم أعضاء في المخابرات الاسرائيلية ولكنهم غالبا ما يرتكبون جرائمهم باستخدام جنسياتهم الأخرى وقد أعلن المسئولون الأمنيون في دبي ان الجوازات صحيحة وليست مزورة وان من يحملونها هم اشخاص حقيقيون ومعروفون تماما لدى الدول التي يحملون جوازاتها لكن بعض هذه الدول أعلن ساستها أنهم على خلاف مع اسرائيل بسبب (تزوير) الجوازات وطردت لندن دبلوماسيا اسرائيليا لهذا السبب وبذلك تكون قد أغلقت الباب أمام مطالبتها بتسليم القتلة الذين يحملون الجنسية البريطانية مع الاسرائيلية أي أن الساسة الاوربيين حولوا القضية من جريمة قتل الجاني فيها معروف تماما ويمكن المطالبة بتسليمه لمعاقبته على جريمته الى قضية (تزوير جوازات) يمكن معالجتها سياسيا وإغلاق الملف .

أما الموقف الثاني فهو موقف السلطات الفرنسية من جريمة قتل فلسطيني يحمل الجنسية الفرنسية الشهر الماضي فقد تركه الجنود الاسرائيليون يعاني أزمة قلبية عند أحد الحواجز في الضفة الغربية حتى لفظ انفاسه الاخيرة بعد ان بقي عالقا عند الحاجز طيلة اربع ساعات حيث منعه جنود الاحتلال من المرور الى الاردن ليعود الى فرنسا .

وإذا عدنا بالذاكرة الى قصة اسر الجندي المقاتل جلعاد شاليط الذي يحمل الجنسية الاسرائيلية والفرنسية تكون المفارقة قد تكاملت أركانها حيث كان قد قطع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وعدا على نفسه ببذل أقصى جهد لضمان الإفراج عن الجندي شاليط (بصفته مواطنا فرنسيا) رغم أنه كان في وضع قتالي عند اسره ومهمته تتضمن قتل نساء وأطفال ومع ذلك تعالت أصوات زعماء في العالم بمن فيهم ساركوزي لاطلاق سراحه بينما لم نسمع عن وقفات مماثلة او حتى قريبة في حالة وفاة الفرنسي من أصل فلسطيني عند الحاجز الاسرائيلي.

إذا الفرنسي من اصل فلسطيني لا يتمتع بحقوق المواطنة التي يتمتع بها الفرنسي من اصل يهودي في بلد ترفع لواء الحرية وحقوق الانسان .

ورغم مناشدة عضو عربي في الكنيست الاسرائيلي لساركوزي بالتدخل في التحقيقات دفاعا عن احد رعايا فرنسا الذي ازهقت روحه بدم بارد عند حاجز اسرائيلي إلا أن احدا لم يسمع ان ثمة استجابة فرنسية فهل اتضحت بذلك إحدى أهم المعوقات (الاخلاقية) لبسط السلام في المنطقة ؟