لا يمكن للفلسطيني أو العربي، أن يمر هكذا على الذكرى الثامنة لمعركة مخيم جنين، رغم زخم وتلاحق الأحداث اليومية الكبيرة، تلك المعركة التي ارتقت في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي، إلى مستوى الأسطورة.
فحينما يجمع المتحدثون عن المعركة على أن أسطورة مخيم جنين، شهد لها العدو قبل الصديق، وباتت منهاجا يدرس في المعاهد والجامعات العسكرية العالمية، يتعلمون فيها أن ما حدث في مخيم جنين حقيقة وليس من نسج الخيال.
يتعلمون كيف تصمد ثلة من الشبان المقاومين أمام أعتى آلة عسكرية في العالم، فإن هذه الحقيقة الكبيرة ليست من نسج الخيال الفلسطيني.
فقد خاض الفلسطينيون هناك على أرض المخيم، معركة كبيرة.. مشرفة.. مشرقة، أقسموا قبلها وخلالها على أن يقاوموا حتى الرصاصة الأخيرة.. وحتى الرمق الأخير.. وحتى النفس الأخير..
فاستبسلوا استبسالاً استشهادياً عظيماً، لم يسبق أن شهدنا مثيلاً له على مدار الحروب والمعارك التي وقعت مع دولة الاحتلال الإسرائيلي..
سطر أهلنا في المخيم، مقاتلين ونساء وشيوخا وأطفالا، ملحمة صمودية بطولية حقيقية، أخذت تترسخ وتتكرس في الوعي والذاكرة الوطنية النضالية الفلسطينية والعربية، على أنها من أهم وأبرز وأعظم الملاحم.
فباعترافات الإسرائيليين أنفسهم «كان مخيم جنين الموقع الذي دفع فيه الجيش الإسرائيلي الثمن الأبهظ» (صحيفة هآرتس 7/4/2002).
ولأن القوات الإسرائيلية فشلت تماماً في اقتحام المخيم على مدى سبعة أيام كاملة، ولأن المعارك في المخيم كانت قاسية جداً ومثقلة بالإصابات (في الجانب الإسرائيلي)، فقد قرر الجيش الإسرائيلي استخدام الجرافات العملاقة في هدم المنازل التي دارت فيها معارك ضارية (وأخفقت القوات والدبابات في اقتحامها) وعدم تطهيرها بواسطة إدخال الجنود إليها..
ولأن المقاتلين والمدنيين الفلسطينيين في المخيم أظهروا مقاومة أسطورية لم تكن في حسابات الإسرائيليين، إذ نجحت في تمريغ أنوفهم في الطين، وحطمت قدرة الجيش الأسطوري معنوياً..
ولأن بلدوزر الإرهاب الصهيوني ـ شارون ـ كان يبيت المجازر والدمار والخراب للفلسطينيين، فقد باشر الجنرال شاؤول موفاز رئيس أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك، تولي قيادة الهجوم على المخيم بنفسه، بعد أن أخفق كبار قادة الجيش في منطقة المخيم في كافة محاولات الاقتحام.
دفع الجيش الإسرائيلي بأرتال كبيرة من الدبابات والمدرعات والجرافات، المعززة بغطاء جوي مرعب يتكون من أسراب من مروحيات «الأباتشي» وغيرها.
ومدججة بالنوايا والنزعة الانتقامية الرهيبة لدى ضباط وجنود جيش الاحتلال، الأمر الذي ترجم عملياً على أرض المخيم، باقتراف أعمال القتل والتدمير بصورة مكثفة.. تلك الأعمال ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب البشعة..
اقترف جيش الاحتلال المجزرة الشاملة في مخيم جنين؛ المجزرة الدموية الجماعية.. والتهديم والتدمير الشامل، والترحيل الجماعي للمدنيين.. فضلاً عن اقتراف كافة الانتهاكات الجرائمية ضد الجرحى والمدنيين وقت الحرب.
حيث عزلت قوات الاحتلال المخيم تماماً، وقطعت عنه الماء والكهرباء والاتصالات والمواد الغذائية، كما منعت كافة أشكال الإغاثة الإنسانية للجرحى والأطفال والنساء والشيوخ.. فكانت المجزرة الصهيونية شاملة ضد البشر والحجر .
قال بيار بار بانسي، الصحافي العامل لحساب صحيفة لومانيتيه الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي أمضى 48 ساعة في المخيم عند حاجز، إنه «بحسب العديد من شهادات الفلسطينيين.
فإن الجيش الإسرائيلي قام بدفن الجثث في حفرة الساحة المركزية للمخيم وردمها بالإسمنت»، وأضاف أن «وسط المخيم بات يشبه برلين عام 1945، نظراً لحجم التدمير الفظيع».
ونستحضر في السياق بعض اعترافات جنود وضباط العدو، فقد اعترف أحد جنود كتيبة الهندسة العسكرية الإسرائيلية الاحتلالية، التي شاركت في اقتحام مخيم جنين فجر الرابع من إبريل 2002، قائلاً: «إن الوضع هناك مرعب، ومن الأفضل عدم الدخول إلى هناك... إننا ننتقل من بيت إلى بيت، غير أنهم يقاتلون بشراسة».
وجاء في تقرير لصحيفة يديعوت العبرية: «المسلحون الفلسطينيون لا يغادرون المخيم، وهم يقاتلون.. لقد زرعوا مئات العبوات الناسفة وأعدوا السيارات المفخخة..
ولديهم حوافز مجنونة، ويقاتلوننا بشراسة ولا يتنازلون».. وأضاف جندي إسرائيلي آخر واصفاً القتال في المخيم: «إن ما يجري هناك يشبه الغرب الجامح، والجنود يستقبلون النيران الفلسطينية من كافة الاتجاهات، وفي كل الاتجاهات، كما تتطاير عشرات العبوات الناسفة من فوق رؤوس الجنود.. والرصاص أيضاً يمر قرب رؤوسهم».
وصرح قائد الفرقة الجنرال اييل شلاين، لإذاعة صوت إسرائيل قائلاً: «لقد تعلم الفلسطينيون من المعارك واستخلصوا العبر، وأخذوا يخوضون معارك هي الأشرس حتى الآن».
ووثق المحلل العسكري الإسرائيلي روبن فدهتسور المعركة قائلاً: «إن من قرر احتلال مخيم اللاجئين في جنين قد أخطأ، ليس فقط في تحليل المعطيات الاستخبارية، بل وأيضاً في فهم آثار القتال هناك، ففي كل الأحوال ستسجل هذه المعركة باعتبارها ستالينغراد الأمة الفلسطينية».
إذن، وبشهاداتهم أيضاً، فقد دخل ذلك المخيم التاريخ من أوسع أبوابه، لأن قصة صموده وبطولة مقاتليه دفعت إلى قراءة ما حصل هناك، خاصة مع اختلاف موازين القوى وحجم الخسائر وشراسة المعركة وعنفوانها، وقصة الخدع والشراك التي تميز بها مقاتلو المخيم، وفي النهاية قصة كل الشهداء الذين قاتلوا حتى الرمق الأخير.
ولا تتوقف القصص والحكايات عند حد معين. ففي كل زاوية وممر قصة، وتحت كل منزل مهدم وركام منثور، بطولة شهيد التصق بالسلاح..
هناك استشهد طه زبيدي، وهنالك استشهد شادي النوباني، وهنا استشهد الشيخ رياض بدير، وهناك أيضا محمود، ومحمد... وغيرهم من المقاتلين الأبطال.
وهكذا تحول مخيم جنين إلى رمز للبطولة الفلسطينية، وأسطورة تتكرس في وعي وذاكرة الفلسطينيين والعرب، على مدى التاريخ الراهن والقادم.
وقد سارع مئات المواطنين الفلسطينيين إلى إطلاق اسم «جنين» على أطفالهم الجدد، وتحول الاسم إلى نغمة على كل لسان.
كاتب فلسطيني