الأعمال الإرهابية المتصاعدة في غير مكان من العالم وبوتائر متسارعة، تثير أسئلة كثيرة، خاصة وأن هذه الأعمال تترافق مع احتقانات سياسية مشهودة، سواء داخل البلدان التي تدفع ضريبة المخططات الجهنمية للغرف السرية العالمية والمحلية.
أو في أساس القضايا المركزية التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها الصراع العربي الإسرائيلي، والأزمة المالية الدولية، والحروب الباردة الجديدة، وغيرها من فداحات.
خلال الأشهر الماضية، وبالترافق مع النتائج الحتمية للنظام النقدي الدولي، المساق بالخطام من قبل شارع المال العتيد في الولايات المتحدة «وول ستريت»، والمربوط بحبال ثقيلة مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي..
هذا النظام النابع من اتفاقية «برايتن وودز» للمنتصرين في الحرب العالمية الثانية، والتي تكرّست مرتين؛ مرة بالانفراد الأميركي في تعرية الدولار من قيمته الحقيقية في ما سمي «برايتن وودز 2» لعام 1973.
الذي اجترحته الولايات المتحدة دون العالمين، وساقت إليه كل عربات القاطرة المندفعة للرأسمالية الأمريكية الشرسة.. والمرة الثانية، وبالترافق مع السقوط الحر للاتحاد السوفيتي، الذي تلاه مباشرة ودونما تردد أو إبطاء.
تعميم مرئيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتنمية، والعمل على إفقاد العملة العالمية وظائفها الجوهرية، ممثلة في كونها مستودع قيمة ووسيلة ائتمان ومعيار تبادل.
كل هذه الفداحات شكّلت المقدمة الأساسية للأزمة المالية الدولية، التي أطاحت بمئات البنوك وبيوتات المال الأميركية، بالإضافة إلى أرقام موازية على مستوى العالم، ومهّدت لبيئات مجتمعية تفتقر للحياة الكريمة وإمكانية الحفاظ على التعايش والسلم الاجتماعي.
ولا يبدو حتى اللحظة أن الأزمة في طريق الانفراج.على خط متصل، تسير المشكلة المركزية في الشرق الأوسط في اتجاه احتقان متزايد، وعجز فاضح من قبل ولاة الأمر العالمي ممن يقولون ما لا يفعلون.
فالرباعية الدولية قالت خطاباً ايجابياً غير مشفوع بموقف واضح ضد المحتل واستباحاته، والولايات المتحدة كرّرت على استحياء ذات الخطاب.
لكن اقصى ما وصلت إليه، هو محاولة إقناع الارهابي نتانياهو بتجميد آخر المستعمرات المعلن تنفيذها في القدس! والقمة العربية لم تأت بجديد يوقف صلف اليهودية الصهيونية المتعصبة، سواء عبر توصياتها المطّاطة القاضية بتشكيل لجنة ثلاثية عربية، أو الدعوة لقمة استثنائية في سبتمبر المقبل.
أو حتى «التهديد» بأن يُصار إلى تصعيد الأمر عبر مجلس الأمن، المكفول إسرائيلياً بالفيتو الأميركي المؤكد! ومن ثم اللجوء للجمعية العامة للأمم المتحدة!
هذا بالضبط ما تبحث عنه إسرائيل.. مزيد من الوقت الثمين، لاستمرار التهويد والإحلال المنهجي، الذي سيحول مفهوم الاحتلال القائم إلى مفهوم جديد اسمه «الإحلال» وسياسة الأمر الواقع.
هذا المفهوم هو ذاته الذي قدم المسوغ لقيام دولة إسرائيل، عندما رفع الصهاينة زوراً وبهتاناً شعار «شعب بلا أرض لأرض بلا شعب»، وبواسطته نالوا وعد بلفور المشؤوم، ومن ثم اعترافاً دولياً استند تحديداً على فكرة وجود شعب في أرض شاغرة!
هذا هو المخرج القانوني الدولي لنفي مفهوم الاحتلال، وإسقاط القرارات الدولية بضربة قاضية، لأن القدس المُستولى عليها يهودياً ستكون خارج نطاق الاحتلال، بعد تفريغها من أهلها واختطاف هويتها، وما جرى ويجري على خط التفخيخ المنهجي للضفة الغربية، سيخضع لمتوالية مفاوضات غير منتهية، تكرس الواقع الإحلالي المتدرج.
هل يغيب عن بال العرب هذا المخطط المفضوح المكشوف؟ وكيف يمكننا تفسير التخلّي الطوعي عن أبسط أدوات الضغط الدبلوماسي؟
ولماذا نُمعن في تربيط مصائرنا بمرجعية أميركية تحكمها ذات الدوائر المتصهينة المتوحشة، حتى وإن باشرت الإدارة الأميركية ذر الرماد في العيون والطبطبة على الرؤوس العربية الساخنة؟
وإلى متى نستبدل الرضا الأميركي الرسمي بنقمة الشارع العربي وإحساسه المتنامي بالقهر والمذلة؟!
عوداً على بدء، وتنويعاً على العمليات الإرهابية التي شهدتها روسيا، وقد تتمدد من دهاليز المؤسسات الخفائية الإرهابية العابرة للقارات، إلى مناطق أخرى في العالم..
فإن توقيت هذه العمليات ليست مقطوعة الصلة عما يجري في الشرق الأوسط والعالم، والهدف المُبطّن منها أن تنخرط روسيا قسراً في كذبة الحرب العالمية ضد الإرهاب، حتى تجد نفسها كغيرها من التائهين في محاربة طواحين الهواء.
هذا هو العالم الذي يعد به اليمين الجديد المتجدد والمتوحش حد الثمالة.. مزيد من العمليات الإرهابية الغامضة والمسيّجة باسم الأديان والملل والنحل زوراً وبهتاناً، وكثير من التدويخ والترعيب للسلم الاجتماعي العالمي.
وصولاً إلى تسميم العالم بثقافة الكراهية الدينية والعرقية المقيتة.إنهم يستعيدون المسطور في بروتوكولات حكماء السوء والموت، ويريدونها على رؤوس الجميع، كما فعل «شمشون» ذات يوم بعيد من تواريخ المتاهات والنفي المتبادل.
كاتب وباحث يمني