من ينظر، ويمعن، ويتفحص، ويدقق، ويطيل النظر، و«يبحلق» على حد تعبير إخواننا المصريين، في «مسيرة» و«مسار» القضية الفلسطينية، يخرج بنتيجة مؤداها أنها كثيراً ما عانت من مفاسد الارتجالية، والمنبرية، وحملات التسول والاستجداء الرخيصة، وهي ـ للأسف ـ إرث تاريخي بجدارة!

إنه جزء من الفشل في عرض القضية الفلسطينية، سواء عبر القيادات أم عبر المفاوض الفلسطيني، منذ أن خلقت القضية وطرحت على بساط البحث دولياً، تماماً كتلك القصة التي كانت تُحكى دوماً لنا.

أننا ضحية مؤامرات استعمارية، إمبريالية، وأننا أصحاب حقوق مشروعة، وأن كل قوى الشر في العالم تكالبت علينا، وأنه أعطى «من لا يملك لمن لا يستحق» وعداً في أرضنا... الخ هذه العبارات المتقعرة الهلامية.

باختصار، كانت قضيتنا تتمحور على أننا ضحايا، وضحايا فقط. كنا «نستدرج الشفقة»، نتسولها، نشحذ على أبواب الدول والعواصم، نُجَّبر أيادينا ونربط المعصم بالرقبة، وننادي في زحام العواصم والمنتديات والمؤتمرات: «لله يا محسنين»!

نذرف الدموع، نبوس اللحى والأيادي، نُقبل الخدود، رغم أن الكثرة كانت تقرف من هذه الممارسات.. ولم ندرك ولو للحظة واحدة، أن الشفقة لا تعيد حقوقاً، ولا تسترد أرضاً سليبة، ولا تعيد بوصة من تراب الوطن الذي بارك الله حوله، ومشى عليه معظم أنبياء الله، وفتحه ابن الخطاب، وحرره صلاح الدين.

لم ندرك في مشوار ومسيرة القضية أن «ما أخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة»، وعندما أقول القوة، أقولها بمعناها الشمولي: قوة العقيدة، السلاح، الفكر، المال، وقوة المنطق.

بالأسلوب الفج الذي لا يُسمن ولا يغني من جوع، كانت تسير مجريات القضية الفلسطينية، عبر مزيج، أو لنقل «خلطة»، ولكنها غير «سرية»، بل علنية مفضوحة وممجوجة، من «البوس» والتقبيل والتهريج والعربدة والسمسرة، واختلاط المفاهيم والتوهان في السكة.

والبحث عن «خارطة طريق» لا تقود إلا للهاوية. كنا نسير عكس السير، نخالف الأنظمة والقوانين، نقطع الإشارات الحمراء، حيث فقدنا البوصلة والطريق.

نحن نمتلك أعدل قضية، وأفشل محامٍ، وأغبى دفاع، وأجهل مفاوض، يذهب لمعركة المفاوضات خالي الوفاض ـ وهي معركة لمن أراد دخول ساحة المقارعة بالحجج والأسانيد ـ لا يمتلك معلومة، ولا خارطة، ولا رؤية، ولا خبراء، ولا أجندة، في مواجهة عدو متربص، يدقق على الحرف قبل الكلمة، وعلى الفواصل والنقاط وعلامات التعجب والاستفهام.

بينما نحن في عجلة من الأمر، ننتظر لحظة التوقيع كي نقف ك«التنابل» نرسل الضحكات المجانية البلهاء أمام عدسات الإعلام، وشعارنا: «زغردي يا أم علي.. البيه وصل»، لتنهال بعد ذلك القبل، ويبدأ العناق والاحتضان و«التعبيط» باعتباره الطريق نحو «التطبيع»، وهذه طامة السياسة الفلسطينية وما أكثر طاماتها!

ذهبنا للدفاع عن حقوقنا أمام المحاكم، ودفعنا بمحامين لحظة المرافعة، فدخلوا القاعة وعانقوا المجرم بالخطأ معتقدين أنه الضحية، بل بشروه بالبراءة.. إن شاء الله!

استعنا بمحامين للدفاع عن أعدل قضية، فنسوا الملفات وجاءوا للقاعة صفر اليدين. استعنا أحياناً بكتبة من أمام المحاكم لم يكملوا الثانوية بعد، ومنهم من رسب في الابتدائية، ودفعنا بهم داخل القاعة وطلبنا منهم المرافعة في أعقد قضية، فيها الكثير من الدهاليز والمنحنيات والتفاصيل.

استنجدنا أحيانا أخرى بمحامٍ أخرس، وفي أحسن الأحوال «ألثغ» لا يكاد يبين، ما أن ينطق الحرف الأول حتى يسيل لعابه وتكاد عروق رقبته تفز من عصبيته وحماسه المزيف.

استعنا بهؤلاء جميعاً مطالبين بحقوقنا التاريخية، وهي واضحة المعالم، لا تحتاج إلى «مقارعة» ولا الى «تصويب»، إنها بحاجة فقط لخبير قانوني، يدرس القضية بكافة تفاصيلها، بعد أن نوفر له كافة الوثائق والمستندات التاريخية الدامغة.

وأن نحضر للقاعة بكامل وقارنا وهيبتنا، بعيداً عن البكاء، أو العويل، أو لطم الخدود، أو شق الجيوب، ولا بفرد مناديلنا على الأرض، من أجل دفع رسوم المحكمة التي نستطيع جمعها بكل بساطة، فيما لو دفع كل واحد منا مليماً واحداً فقط.

نعم، بمليم واحد نكسب القضية، ولكن لا لفرد المناديل!

كاتب وإعلامي فلسطيني

atahboub_@hotmail.com