ربما نختلف حول هذه القضية، لكنه خلاف من ذلك النوع الذي يصب في الصالح العام، والصالح العام هنا هو صالح المجتمع المعنوي أكثر منه المادي، وهو صالح على المدى البعيد قبل القريب؛ صالح قد تتقاطع نظرتنا إليه، تبعاً للزاوية التي ننظر منها إلى هذا الصالح، وتبعاً للمعيار الذي نخضعه له.

لا يختلف اثنان على أن دولتنا قطعت شوطاً كبيراً في سباق النهضة والتقدم، على نحو أصبح الكثيرون معه يعتبرونها نموذجاً للدولة العصرية التي تأخذ بأحدث النظم، وتطبق أعلى مواصفات الجودة في كل الخدمات التي تقدمها لمواطنيها والمقيمين على أرضها، والزائرين الذين ربما يلحظون ذلك أكثر من غيرهم.

ولعلنا لا نختلف على أن الجزء الأكبر من الإنجازات في دولتنا قد تحقق في مرحلة البدايات، وإذا أردنا أن نحصر تلك المرحلة على وجه التحديد، فهي على الأرجح العقود الثلاثة الأولى من عمر الدولة، لأنها الفترة التي شهدت الزخم الأكبر من البناء.

حيث وُضِعت البنية التحتية للمرافق الأساسية؛ مثل التعليم والصحة والإسكان والطرق والماء والكهرباء، وغيرها من الخدمات التي أصبحت الإمارات تتفوق بها اليوم على غيرها من الدول.

ونعتبرها المعجزة التي تحققت في وقت قياسي، مقارنة بدول أخرى هي أسبق منا إلى الاستقلال والنشأة والتعليم، بل والثروة أيضاً، إذا ما اعتبر البعض أن الثروة هي سر تحقيق المعجزات.

الذين عاصروا قيام الاتحاد وتابعوا تطوره خلال الفترة المشار إليها، يعلمون أن العمل في الوزارات والمؤسسات الاتحادية، والدوائر المحلية أيضاً، كان يبدأ من الساعة السابعة والنصف صباحاً وينتهي في الواحدة والنصف ظهراً، عدا يوم الخميس الذي ينتهي فيه العمل الساعة الثانية عشرة ظهراً.

وكانت الإجازة الأسبوعية يوماً واحداً هو الجمعة، ثم أصبحت يومين، وهكذا أتيح للموظفين أن يتمتعوا بيومي إجازة، ولم يتراجع الإنتاج، لأن ساعات يوم الإجازة الثاني أضيفت إلى بقية أيام الأسبوع.

فأصبح العمل ينتهي الساعة الثانية والنصف ظهراً، ومازال هذا النظام متبعاً في الوزارات الاتحادية، وفي الدوائر المحلية ببعض إمارات الدولة.

كل هذا يبقى في دائرة المقبول الذي لا اعتراض عليه، لكن الذي جدَّ على ساعات العمل في الهيئات والمؤسسات شبه الحكومية، وتبعتها دوائر محلية في بعض إمارات الدولة، منذ عشر سنوات تقريباً، هو امتداد ساعات العمل من السابعة والنصف أو الثامنة صباحاً.

حتى الخامسة عصراً وأكثر أحياناً، الأمر الذي يعني أن الموظف أو الموظفة يضطران إلى مغادرة منزلهما قبل شروق الشمس، كي يضمنا الوصول إلى مقر عملهما في الموعد المحدد.

خاصة في ظل الازدحام الذي أصبح سمة معروفة لإمارتي أبوظبي ودبي، حيث يطبق هذا النظام في العديد من المؤسسات والدوائر المحلية.

أما العودة إلى المنزل فغالباً ما تكون بعد مغيب الشمس، خاصة في فصل الشتاء حيث تقصر ساعات النهار ويطول الليل، فما الذي حدث في ظل هذا النظام الجديد الذي أدخلناه محاكاةً لما هو معمول به في الغرب، دون مراعاةٍ لاختلاف الظروف بيننا وبينهم؟

حدث أن غاب كل من الأب والأم العاملَين عن بيتهما طوال النهار، ليعودا إليه مع حلول الظلام منهكين مرهقين، بعد أن استنزفت ساعات العمل الطويلة هذه طاقتهما الجسدية والنفسية.

وأصبح الأبناء بالتالي في عهدة المربيات والخادمات اللواتي عهدت إليهن الأمهات بمهمة إيقاظ أبنائهن، وإعداد طعام الإفطار لهم، وتجهيزهم وإيصالهم للمدارس مع السائقين.

ثم إعادتهم إلى البيت من المدرسة، وتبديل ملابسهم، والإشراف على تناولهم طعام الغداء، وفتح حقائبهم لمعرفة ما عليهم من واجبات مدرسية، ومتابعة حلها معهم، ومراجعة الدروس التي أخذوها في ذلك اليوم، ثم إعدادهم للنوم بعد إطعامهم وجبة العشاء!

فما الذي تبقى للأم بعد ذلك أن تفعله تجاه أبنائها؟ وحتى لو أرادت ذلك، فمن أين لها الوقت والطاقة وهي التي تخرج من بيتها قبل أن يستيقظوا، وتسابق الزمن للوصول إلى مقر عملها في الوقت المحدد، وتعود إلى البيت منهكةً مهدودةَ القوى وهم على وشك أن يناموا، إن لم يكونوا قد ناموا فعلًا؟!

انظروا إلى السيارات المتوقفة حولكم عند إشارات المرور في الصباح، لتروا النساء المتوجهات إلى العمل وهن يستكملن ترتيب أنفسهن في الطريق مستعينات بمرايا السيارات.

واسألوا عن عدد اللواتي يفعلن هذا في دورات المياه في مقار العمل، لتعرفوا مدى الارتباك الذي تتعرض له حياة هؤلاء الموظفات، اللواتي فرضت عليهن ظروف الحياة التمسك بالعمل على حساب تربية الأبناء والقيام بواجباتهن الزوجية، والوضع نفسه ينطبق على الأزواج!

أما الخاسر الأكبر من هذا كله فهو الأسرة التي يتصدع بنيانها، والأبناء الذين يغدون تحت سيطرة وإشراف ورحمة المربيات والخادمات والسائقين، بكل ما يؤدي إليه هذا من تغريب لهم، وما يخلقه من فجوة عميقة بينهم وبين آبائهم وأمهاتهم ومجتمعهم.

لذلك لا تندهشوا إذا وجدتم انحرافاً في سلوكهم، أو لاحظتم عليهم تصرفات غريبة، نتيجة التربية الخاطئة التي يتلقونها على أيدي هؤلاء المربيات والخادمات الغريبات عن ديننا وعاداتنا وتقاليدنا وأسلوب حياتنا.

ولا تندهشوا أيضاً إذا لاحظتم ارتفاع نسبة الطلاق في مجتمعنا، نتيجة التفكك الذي تخلقه هذه الفجوة بين قطبي الأسرة؛ الزوج والزوجة، هذا بالإضافة إلى ضعف العلاقات الاجتماعية نتيجة انعدام التواصل بين أفراد المجتمع.

إنها ليست دعوة إلى الكسل والتراخي والتراجع في الإنتاج، الذي لا نعتقد أنه زاد بنسبة تستحق التضحية بأمن الأسرة والمجتمع نتيجة زيادة ساعات العمل، ولكنها دعوة لإعادة النظر في مدى الفائدة المتحققة من هذه الزيادة، مقابل حالة الانفراط والتفكك والارتباك التي يعاني منها الكثير من الأسر لدينا.

وحالة الغربة التي يعيشها الأطفال في بيوتهم والخلل الذي يعانون منه، وهي وجهة نظر قد تكون لها وجاهتها، شريطة أن يُنظَر إليها من زاوية الصالح العام الذي يُقدِّم المصالح البعيدة على المصلحة القريبة، ويبتعد عن المكابرة التي لا طائل من ورائها.

aliobaid2000@hotmail.com