حسناً فعل وزير الزراعة بالتوجه شخصياً إلى مرفأ بيروت ومعاينة شحنة القمح الفاسد التي لولا العناية لكانت بعد أيام في الأفران ولاحقاً على موائدنا.

لكن هل انتهت القصة هنا؟

همّةُ وزير الزراعة ومثابرة مديرية المخابرات في الجيش اللبناني التي أبلغته بالمعلومة، أدت إلى ضرب رأس من رؤوس (أخطبوط الفساد)، ولكن ماذا عن (الرؤوس الأخرى)؟

مَن يراقب الأفران وأيَّ طحين تستعمل؟

مَن يشهد كيف ان بعض الأفران تعيد (عجن) الخبز القديم وتحوِّله إلى خبز جديد?

إذا كانت مصلحة حماية المستهلك لا تملك العديد الكافي للمراقبة في النهار، فكيف لها ان تراقب في الليل عمل الأفران؟

يستطيع المواطن أن يستغني عن كل شيء، غذائياً، إلا عن (ربطة الخبز)، فهل كثيراً أن يُطالب بأن تكون هذه (الربطة) نظيفة وسليمة ومستوفية شروط السلامة العامة؟

مرَّ وقتٌ طويل لم نسمع فيه عن (كبسةٍ) على الأفران! لماذا؟

هل لأن المسؤولين مطمئنون إلى سلامة الرغيف؟

* * *

ان ما شهدناه في مرفأ بيروت يُخشى أن تكون سبقته شحنات أخرى، من النوعية ذاتها من (الفساد) من دون أن تُضبَط، وهذا يُرتِّب إجراءات يُفتَرَض أن تُتخذ كمثل معاينة مستودعات القمح والطحين وفحص عيناتٍ منها للتأكد من نظافتها ومن خلوها من أي مواد عفنة.

هذا الإجراء المطلوب ليس من باب التخويف وإثارة الهلع بل لأخذ الإحتياطات اللازمة منعاً من الأضرار بصحة المواطن.

* * *

نفتح هذا الملف مسبقاً قبل أن تستفحل الأمور وقبل أن يصيب الرغيف ما أصاب الأدوية المزورة والفاسدة التي كادت أن تصل إلى كل بيت قبل أن تضع نقابة الصيادلة يدها على الملف، وبالمناسبة أين أصبحت هذه القضية؟

وما هو مصير الصيدليات التي أُقفلت؟

وما هو مصير التجار الذين استوردوا هذه الأدوية الفاسدة والمزورة؟

لماذا قضايا بهذا الحجم تختفي فجأة من التداول ولا تعود تظهر في الإعلام؟

ان المطلوب متابعة حثيثة لكل هذه القضايا والملفات لأن صحة المواطن وسلامة غذائه أهم من كل الإستحقاقات، ما نفع الحرية إذا كانت متلازمة مع رغيف فاسد؟

وبماذا تفيد الديمقراطية إذا كان يصاحبها دواء مزوَّر؟

لقد شبع اللبنانيون شعارات وعناوين فضفاضة وبرّاقة واكتشفوا ان (ليس بالحرية وحدَها يحيا الإنسان، كما ليس بالديمقراطية وحدَها) بل برغيفٍ نظيف ودواء صالح.

ليتواضَع السياسيون في مواقفهم وخطبهم، وليُقلعوا عن اليافطات الكبيرة، يرضى الناس منهم بما هو أقل:

سلامة غذاء وبيئة نظيفة وأدوية صحيحة، أما العناوين الكبرى فلتُترَك وتؤجَّل، فهي، في الأساس، (لا تُطعِم خبزاً).