لم يكن المشهد العربي الرسمي في عقد من العقود بمثل هذا الوضوح الكاشف الذي ظهر في سنوات العقد الأخير، خصوصا مع انعقاد كل قمة عربية.

وهو الذي بدا بانقساماته السياسية العلنية والمخفية حول الاستجابة المواجهة لكل تحد من جانب عدو أو حول التجاوب الإيجابي مع كل مشروع من جانب شقيق أو صديق، انعكاسا لواقع تقسيمه قطريا على الخريطة الجغرافية بقصد تهشيمه وتهميشه قوميا على الخريطة السياسية.

هذا الانقسام الرسمي حول المبادئ الأساسية بمرجعياتها الإسلامية والعربية ولد انقساما بين الأجزاء حول المصالح المشتركة فولد انقساما في الرؤى والسياسات غلبت مصالح الجزئي على الكلي والقطري على القومي، بما أضعف الجزئي والكلي والقطري والقومي معا، وغيب المشروع العربي الاستراتيجي المشترك..

الأمر الذي غلب عليه المشاريع الصهيونية والأميركية بما فرض عليه التفاوض المسالم والتفاوض مع الأعداء، ورفض التكامل والتعاون مع الأشقاء، والمشاحنة ورفض التحاور مع الأصدقاء!

وهو اختلال استراتيجي خطير انعكس بكل تأكيد على معادلات القوى إقليميا ودوليا ويخصم من قوتنا ووزننا وتأثيرنا في المنطقة والعالم لنيل حقوقنا وانتصارا لقضايانا، بقدر ما يضيف لقوة ووزن وتأثير عدونا عدوانا على حقوقنا وتهميشا لقضايانا.

وهو ما ينبغي الوعي بخطورة استمراره والسعي إلى تصحيح الاختلالات في موازين القوى والسعي إلى إعادة صياغتها برؤية استراتيجية جديدة تقوم على وقف مسلسل المزيد من الانقسامات السياسية والتقسيمات الجغرافية والطائفية والمذهبية وتوحيد الرؤى وحشد الطاقات العربية والإقليمية الإسلامية والأفريقية.

من هنا كان التجاوب العربي لرؤية الطيب أردوغان الاستراتيجية بلسان غير عربي مثل قوله «إن القدس هي قرة عين كل العالم الإسلامي، ولا يمكن قبول اعتداء إسرائيل على القدس والأماكن الإسلامية إطلاقا» .

ولهذا لم يكن غريبا ذلك التصفيق الحار الذي حظي به رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان من قادة الدول العربية قبل وأثناء وبعد إلقائه كلمته الشجاعة غير المكتوبة في افتتاح القمة العربية في سرت.

ولا تلك التعليقات الصحافية العربية التي أشادت بالخطاب السياسي الرسمي التركي وعكست إلى حد كبير التجاوب الشعبي العربي والإسلامي الأكبر والأكثر حرارة للخطاب التركي، إلى الحد الذي جعل بعض التعليقات تصف أردوغان بأنه كان «العلماني الأكثر إسلاما والتركي الأكثر عروبة»!

وربما أهمية الإشارة إلى ذلك تنبع من أنها من المرات النادرة لتوافق الرسمي مع الشعبي بدرجة كبيرة مع قليل من التحفظ حول خطاب سياسي غير عربي.

لم يسبق مثله بدرجة أقل وبكثير من التحفظ إلا مع الخطاب السياسي الأميركي للرئيس أوباما في جامعة القاهرة في رسالته إلى العالم الإسلامي التي بشرت بالتغيير النظري في الموقف الأميركي ولكن دون تغيير عملي على الأرض حتى الآن!

وما حدث من تجاوب رسمي وشعبي عربي مع خطاب أردوغان في قمة سرت وفي أكثر من محفل دولي آخر، سبقه في المقابل تجاوب شعبي وتحفظ رسمي على خطاب الرئيس الإيراني أحمدي نجاد والرئيس الفنزويلي هوجو تشافيز.

وعلى مواقف الزعيم السياسي البريطاني جورج جلوي تجاه دعم القضية الفلسطينية التي هي قضية العرب الأولى الذين هم الأولى بالدفاع عنها قولا وفعلا قبل غيرهم.

وإذا كان لتجاوب ما هو رسمي مع أقوال أردوغان يعكس أن ما عبر عنه من رؤى عكس إلى حد كبير ما هو كامن في عقل معظم القادة العرب لكنهم لم يفصحوا عنه بهذا القدر من الوضوح والتلقائية والحرارة.

غير أن تجاوب ما هو شعبي وإعلامي عربي كان يعكس نوعا من الإحباط لغياب تلك الرؤى الواضحة في أقوال بعض القادة، وغياب ترجمة ذلك في قرارات معظم القادة .

ورغم أن آمال الجماهير العربية لم تجد صداها بقدر كاف في قرارات قمة الجماهيرية، حيث كانت تنتظر استجابة عربية على قدر التحدي خصوصا إذا تجاوز هذا التحدي ما هو وطني إلى ما هو عربي وما هو عربي إلى ما هو إسلامي.

وما هو إسلامي إلى ما هو إنساني بقرارات قوية في مواجهة الاستخفاف الإسرائيلي بالشعب العربي بممارسة العدوان والاستيطان والتهويد والتهديد، إلا أن نتائج القمة لم تكن خالية من الإيجابيات الفكرية والأفكار الاستراتيجية.

أهمها تأكيد أن لا مفاوضة مع الاستيطان والاعتداء على المقدسات، ولا سلام إلا بإنهاء الاحتلال للأراضي العربية، وإلا بدولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس وحق العودة. لكن الأهم هو التنفيذ.

لقد كان من بين الاستثناءات الإيجابية في تلك القمة هو اعتراف رئس القمة السابق الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني بأن النظام العربي يواجه خللا تنبغي معالجته، الاعتراف بالمشكلة يساوي نصف الطريق إلى الحل.

وأيضا تحذير الزعيم الليبي معمر القذافي بأن الجماهير العربية لا تنتظر من القمة أقوالا بل أفعالا أكثر وكلمات أقل وأن النظام العربي رسما في موقف لا يحسد عليه ولهذا لابد لقرارات القادة أن تلبي طموحات الجماهير.

وكان من الإيجابيات أيضا إعادة طرح مشروع «الاتحاد العربي» على لسان الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، واتصالا بها الرؤية الليبية لبناء هذا الاتحاد المطلوب.

وكان على قدر كبير من الأهمية المقترحات البناءة للأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى وأهمها «رابطة الجوار العربي»، ودعوته للبدء بحوار عربي إيراني لأنه لا حوار إلا بين المختلفين بهدف انهاء الخلاف. خصوصا إذا كانوا أشقاء وجيران ومصالحهما مشتركة.

وربما انتهى إلى ما انتهت إليه الكلمات في انتظار الأفعال، بتأكيد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن إحباطه لما شاهده في غزة والضفة الغربية والقدس المحتل.

وإدانته لانتهاكات إسرائيل للقانون الدولي ووصفه لإجراءاتها بالبطلان، ودعوته العالم إلى إنهاء الحصار «الظالم» على قطاع غزة.

لكن الأهم هو قوله للقادة العرب «إن تاريخكم، وعضويتكم، وتنوعكم، تشكل موارد قوية تمكنكم من المساعدة على حل بعض أكثر مشاكل العالم تعقيدا».. فما بالنا مازلنا دون مستوى حل قضايانا؟!

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com