الحمد الله، مرت القمة العربية على خير .. لم تقل شيئاً، ولم تفعل شيئاً، واكتفت بترحيل كل الموضوعات المهمة إلى قمة أخرى في سبتمبر (إن عقدت) وسددت رسم العبور من قمة مارس إلى قمة سبتمبر بتخصيص خمسمائة مليون دولار لدعم الصمود العربي في القدس.

وكأن المال (رغم ضآلة المخصصات) سوف يرد وحده على ما طرحه نتنياهو في وجه الجميع .. بأن البناء في القدس كالبناء في تل أبيب لن يتوقف على الإطلاق ومهما كانت الضغوط !!

مرت القمة على خير، لا أحد كان يتوقع منها الكثير، ولا هي حققت شيئاً إلا أنها مرت بسلام وبدون خلافات حادة، وبدون مفاجآت حتى وهي تعقد برئاسة الأخ العقيد الذي تعود الرأي العام العربي على مفاجأته، مع أنه حاول على جبهتين لإحداث مفاجآت ايجابية ..

الأولى على جبهة المصالحة الفلسطينية وكادت تنقلب إلى مشكلة حقيقة، فبعد أن كان قد دعا أبو مازن لزيارة ليبيا قبل القمة على أمل جمعه مع خالد مشعل قائد حماس، وهو ما رفضه أبو مازن مشترطاً توقيع مشعل أولا على الورقة المصرية.

الأمر الذي واجهه القذافي بالامتناع عن مقابلة الرئيس الفلسطيني الذي غادر ليبيا غاضباً وكاد ألا يحضر القمة بعد ذلك، لولا وساطات مصرية وعربية ومكالمة هاتفية له من القذافي، ولولا أن القمة كانت «قمة القدس» كما قال عنوانها.

ومع ذلك فقد تكررت الأزمة حين لم يستقبله القذافي في المطار كما فعل مع باقي الرؤساء ولكن القذافي تدارك الأمر بعد أن كان أبو مازن على وشك مغادرة ليبيا غاضباً فور إلقاء كلمته في الجلسة الافتتاحية!

الجهد الآخر كان على الجبهة المصرية ؟ السورية، وشاركت فيه أطراف عربية عديدة، وكان الأمل كبيراً أن تشهد القمة اللقاء المرتقب بين الرئيسين مبارك والأسد، لولا الظروف الصحية التي ألمت بالرئيس المصري والجراحة التي أجراها في ألمانيا واضطراره للغياب عن القمة.

ومع ذلك فقد شهدت القمة علامات على التقارب الذي تم بين القيادتين المصرية والسورية، وكان الرئيس الأسد قد اتصل هاتفيا بالرئيس مبارك في ألمانيا مستفسراً عن صحته بعد الجراحة، كما أعلن عن استعداده لزيارة مصر، وهي الزيارة التي ينتظر إتمامها قريبا فور انتهاء فترة النقاهة للرئيس المصري .

وما يهمنا هنا ألا يكون الأمر مجرد تطييب للخواطر أو تجاوز للجانب الشخصي فقط من المشكلة، رغم أهمية الجوانب الشخصية في نظامنا العربي. المهم أن يكون الأمر لقاء على أسس موضوعية راسخة تستوعب ما جرى وتستعد للقادم الخطير على كل الجبهات. فقد دفع القطران الشقيقان ودفع العرب جميعا ؟ ومازالوا ؟

ثمن افتراق الطرق بين العواصم الثلاث التي شكلت لسنوات طويلة نقطة الارتكاز الأساسية للعمل العربي المشترك وهي القاهرة ودمشق والرياض.

وإذا كانت المصالحة بين السعودية وسوريا قد أنجزت أساساً استقرار الأوضاع في لبنان، فتحت الباب للتعاون في ملفات عديدة سواء في اليمن أو العراق، فإن التطورات الخطيرة في المنطقة تجعل من إتمام التوافق بين العواصم الثلاث بالمصالحة السورية المصرية أمراً شديد الأهمية.

فالتوافق المرتقب سوف يفتح الباب لإتمام المصالحة الوطنية الفلسطينية، وسوف يقوي الموقف العربي في الصراع الذي يشتد حول مصير العراق، وفي مواجهة الأخطار الهائلة على السودان واليمن والوضع الخطير في الخليج العربي في ضوء صدام أميركا وإيران أو توافقهما.

إن الجهد العربي الأساسي ينبغي أن يتوجه إلى بناء القوة العربية الذاتية وليس إلى التماس الحل لدى دول الجوار، لقد كان الضعف العربي والتشرذم والانقسام عوامل أدت إلى استباحة الساحة العربية من القوى الإقليمية الأخرى لتتنازع مع القوى العالمية على تقسيم الغنيمة العربية أو الاتفاق على حسابنا.

ولقد جربت أطراف عربية كثيرة أن تتحالف منفردة مع القوى الأكبر إقليميا أو عالميا، ولم يحقق لها ذلك أمنها الوطني الذي لن يتحقق إلا في إطار تحالف قومي عربي حقيقي يقوم على نقطة الارتكاز المصرية ؟ السورية ؟

السعودية يعيد للأذهان التحالف الذي انتصر في أكتوبر، والتحالف الذي قام بعد حرب الخليج وضم دمشق والقاهرة إلى جانب دول مجلس التعاون الخليجي.

ويتدعم بانضمام قوى عربية رئيسية مثل الجزائر الشقيقة (التي أرجو أن تتجاوز الأزمة العبثية مع مصر والتي آثارها صبية الإعلام الرياضي واستغلها أعداء العروبة في القطرين الشقيقين) هكذا فقط نكون مستعدين للتعامل المتكافئ مع دول الجوار، سواء كان ذلك مع تركيا أو مع إيران أو مع جيراننا في إفريقيا الذين يستحقون منا اهتماماً أكبر بكثير.

وهكذا فقط يمكن أن نتعامل بجدية مع السؤال الذي طرحه أمين الجامعة العربية على القمة الأخيرة حول البدائل التي نملكها في حالة فشل محاولات السلام مع إسرائيل، وهو السؤال الذي نطرحه ويطرحه غيرنا منذ سنوات، ويتهرب من الإجابة عليه الجميع داخل القمة وخارجها.

لأنهم يعرفون أن البدائل ليست عند القوى الكبرى، ولا عند دول الجوار بل نصنعها نحن حين نبني قوتنا الذاتية ونستعيد القرار المستقل ونملك القدرة على حماية أمننا القومي.

ولا نكتفي بترديد معزوفة أن السلام هو خيارنا الاستراتيجي والوحيد، جاهلين أو متجاهلين أن الضعفاء لا يصنعون السلام ولا يستحقونه.

كاتب صحفي مصري

elsadattt@hotmail.com