سألت مرة طالباتي، كجزء من المقرر الدراسي حول المؤسسات السياسية والأجهزة الرسمية لدولة الإمارات، أن يسموا لي عضواً من المجلس الوطني، فلم أتلق إجابة شافية.

فعدّلت السؤال بما أنه موجه للإناث، وبما أن هذا الموضوع بالتحديد قد حاز في حينه تغطية إعلامية هائلة «سمي لي عضوة في المجلس الوطني» فلم أتلق جواباً في البداية، ولكن بعد إعادة طرح السؤال تلقيت إجابة وكان اسماً لوزيرة.

وعلى الرغم من كل المبررات التي أوجدتها لنفسي وللجيل الجديد، وربما لأعضاء المجلس الوطني، إلا أن هذه المبررات لم تكن كافية. فقد أثار هذا السؤال أسئلة أخرى قفزت إلى السطح، أسئلة متعلقة بقدرة مقرراتنا الدراسية ومناهجنا التعليمية وخططنا الدراسية المعدلة.

بل حول القائمين على مراجعة وتطوير المناهج على الإيفاء بتعهداتهم للمجتمع بتنشئة جيل واعٍ، مطلع، متفاعل مع قضاياه الاجتماعية ومتحمل لمسؤولياته الوطنية ومستعد لمواجهة كافة التحديات المستقبلية.

هل هذا الموقف قاعدة أم استثناء؟ لا يخفى على أحد أن هناك بين الجيل الجديد شبه عزوف عن التفاعل مع القضايا المجتمعية المهمة، وغياباً للرغبة في التعمق إلى جذر تلك القضايا ومعرفة المزيد عنها، وكأنها ليست جزءاً من اهتمامه.

وعلى الرغم من كل ما يقال ويشاع عن تقلص المعرفة والقراءة والاطلاع على قضايا العصر بين الجيل الجديد في العالم عموماً، إلا أن ذلك يجب ألا يكون مبرراً للوضع الذي نجد أنفسنا فيه.

وبالتأكيد لا نقصد هنا التعميم. فليس كل من ينتمي للجيل الشاب لا يقرأ ولا يعرف أو يتفاعل مع قضاياه المحلية أو الوطنية. فهناك من الشباب من هو منخرط بعمق في العمل الاجتماعي والمدني.

ويجب أن ندرك أيضاً أن للشباب اهتمامات أخرى ربما تكون مغايرة لاهتمامات الجيل الأقدم، كما علينا أن ندرك أنه من المتعارف عليه أن كل جيل ينظر للجيل الذي يليه بشيء من التشكيك وعدم المقدرة، ويتهمه بالتقصير وعدم الفهم وعدم التفاعل.

ولكن كل تلك المبررات يجب ألا تصرفنا عن أصل القضية المطروحة للوصول إلى أسبابها وإيجاد الحلول الناجعة لها.

من المؤكد أن هناك عوامل وأسباباً ساهمت إلى حد كبير في ما وصل إليه حال البعض من أبناء الجيل الحالي من قيم سلبية مثل الاتكالية والرغبة في الوصول إلى الهدف دون جهد يذكر والعزوف عن المشاركة المجتمعية، بل والعزوف عن الاطلاع على المعرفة المتجددة وتسليح نفسه ثقافياً.

وبالتأكيد يأتي على رأس تلك العوامل سهولة الوصول إلى المعلومة الجاهزة المعلبة التي لا تحتاج إلى جهد كبير والمتهم هو بالطبع الانترنت الذي جعل الكثيرين وليس بالضرورة الشباب، يعزفون عن استلهام المعرفة من مصادرها الكلاسيكية.

والأخطر من ذلك كله أن هناك فئة من القائمين على مراجعة المناهج التعليمية يعتقدون أن تسليح الجيل الجديد بالمهارات الحياتية عوضاً عن المهارات التعليمية والمعرفية سوف يسهم في خلق جيل واعٍ ومطلع يتعلم بنفسه ويتعلم مدى الحياة.

هذا التوجه الذي ساد الميدان التربوي مؤخراً ساهم إلى حد كبير في تسطيح الجيل الجديد ثقافياً. فلم تعد للكلمة المطبوعة قيمة، ولم يعد للكتاب أهمية، ولم يعد اكتساب المعرفة العامة من أصولها المتعارف عليها مهماً.

خاصة بعد أن ارتبط سوق العمل بمهارات ومؤهلات لا تأتي من ضمن أولوياتها المعرفة العامة والاطلاع على قضايا العصر بقدر ما يكون التركيز على المهارات الحياتية كحل المشكلة والعصف الذهني وغيرها من المهارات الأخرى.

ولكن القضية هنا ليست قضية تعارض بين منهج جديد وآخر كلاسيكي، فكما يبدو، فأن لكل منهج مؤيدين ومعارضين، ولكن ربما بين القيم التي يحملها ويبثها كل منهج.

فالمنهج الكلاسيكي وربما ذلك الذي يقوم على التلقين والتلقي المباشر يعود الطلبة على قيم ربما يكون على رأسها الطاعة والقبول وإظهار الولاء لكافة المؤسسات المجتمعية، أما المناهج الحديثة فتحمل في طياتها قيماً مختلفة.

فمناهجها قائمة على رفض السائد وعدم الاعتراف بالمألوف والدعوة إلى الجديد بكافة أشكاله ومناهجه والرغبة في التجديد. وهكذا انعكست هذه القيم على جيل اليوم فأصبحنا نرى مؤسساتنا التعليمية تزخر أحياناً بأصناف كثيرة من السلوكيات الاجتماعية التي يرفضها المجتمع تحت غطاء الجديد وغير المألوف.

من جانب آخر فإن المناهج التعليمية «المطورة» قد تتحمل هي أيضاً الكثير من اللوم. فقد تم تطويرها بحيث تكون عاملاً مساعداً للمعرفة وليست عاملاً للمعرفة في حد ذاتها، حيث يكون الاعتماد الأول على قدرات الدارس على اقتناء المعرفة من مصادر أخرى إضافية، وهذا هو الفرق بينها وبين المناهج القديمة الكلاسيكية.

وربما لو وجه الدارس جيداً ومنذ نعومة أظفاره إلى هذا الهدف، فربما تنجح تلك المناهج في هدفها، ولكن لوجود خلل ما في العملية التعليمية، فإن المناهج وحدها تبقى قاصرة عن نشر المعرفة بين الدارسين وتشجيعهم على الاطلاع والتفاعل مع قضايا العصر.

هناك قضية أخرى ربما يكون لها دور مهم في ما وصل إليه الجيل الحالي. فبعض المسؤولية يتحملها القائمون على العملية التعليمية وتأهيل الجيل الجديد. فالكثير منهم ينظرون إلى التدريس بأنواعه بوصفه «مهنة» وليس مسؤولية عامة.

وبالتالي فإن قضية «أداء الواجب»، لا تثمر ثماراً جيدة في جوّ يراه أولئك القائمون بأنه سلبي وغير مهيأ وليس له مردود جيد، والكثير من الأعذار والمبررات الأخرى التي تنعكس سلباً على العملية التعليمية بأسرها.

فتكون النتيجة جيلاً غير مطلع، وغير مدرك لواجباته المجتمعية، وغير متفاعل مع القضايا العامة، جيل يريد النجاح وسرعة الوصول إلى الهدف.

إن تكامل العملية التعليمية قضية أساسية لبناء وتأهيل وتنشئة جيل جديد واعٍ ومطلع وغير منقطع عن قضايا عصره ومجتمعه.

وبالتالي فإن الوصول إلى صيغة مناسبة لتكامل هذه العملية بجميع أطرافها هو عامل مهم وأساسي للنهوض بوعي الجيل الجديد وتسليحه بالمهارات العلمية والعملية لمواجهة تحديات الحياة.

فمن الضروري تسليح النشء بمهارات حياتية، ولكن الأهم هو تسليحه بمهارات تعليمية ومعرفية حتى يصبح إنسان قارئاً، مطلعاً، قادراً على التحليل والاستنباط. بهذا نكون قد نجحنا في خلق جيل واعٍ ومطلع وسوي.

كاتبة إماراتية