عادت العصفورة من رواحها، بعد التقاط الحب لإطعام صغارها، فوجدتهم في ذعر شديد، وهم يتصايحون داخل العش الذي بنته أعلى شجرة، وعندما سألتهم مستفسرة عما دفعهم إلى الرعب، اخبروها أن الفلاح صاحب الشجرة قرر قطعها غدا، فسألت صغارها مجددا: ماذا سمعوا من الفلاح بالضبط؟
رد الصغار ان الرجل طالب ابنه الذي كان معه بالذهاب إلى عمه يدعوه إلى المساعدة في قطع الشجرة العتيقة لاستخدامها وقودا. هنا تنفست العصفورة آلام الصعداء،.
وراحت تهدئ من روع الصغار الذين لم يفهموا سبب اطمئنانها. في اليوم التالي خرجت الأم سعيا إلى رزق صغارها بعد ان شددت عليهم أن ينصتوا لكل كلمة سيقولها الفلاح عندما يأتي إلى الحقل.
وبالفعل جاء الفلاح وابنه وجلسا في انتظار وصول العم الذي لم يأت، فقال الرجل لصغيره: اذهب إلى جارنا واخبره أننا في حاجة إلى مساعدته في قطع الشجرة غدا، وهو ما بعث الخوف في قلوب العصافير الصغار، الذين اخبروا الأم لدى عودتها بما سمعوا، فقالت لهم اطمئنوا لن تقطع الشجرة.
في اليوم التالي تكرر المشهد فلم يأت الجار لمساعدة الفلاح على قطع الشجرة، فقال لابنه غدا نقطع أنا وأنت الشجرة، وعندما عادت العصفورة من رحلتها اخبرها الصغار بما سمعوا فأخذت تبكي مولولة، وقد انتابها الهلع على مصيرها ومستقبل صغارها، فقد أدركت بحكمة الأيام أن الشجرة سوف تقطع لا محالة بعد أن قرر الفلاح الاعتماد على نفسه.
هذه القصة التي كانت تدرس لنا ونحن صغار، على بساطتها، هو ما ينقص العرب تعلمه في الوقت الراهن، بعد أن رهنوا حل غالبية مشاكلهم للآخر، وقد رأينا كيف انفضت قمة سرت التي حملت عنوان (قمة دعم صمود القدس)، من دون التحرك الجدي لدعم هذا الصمود.
واكتفى المجتمعون،على طريقة الفلاح صاحب الشجرة، بطلب العون من الآخرين، عبر إعلان ما أسمته القمة خطة تحرك عربية لانقاذ القدس، بدعوة المجتمع الدولي وخاصة مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي واليونسكو، لتحمل المسؤولية في الحفاظ على المدينة ومقدساتها.
ولم يكتف القادة في البيان الختامي لقمة سرت بهذا الأمر فقط ـ إحقاقاً للحق ـ بل قرروا استمرار تكليف المجموعة العربية في نيويورك بطلب عقد جلسة خاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة لإدانة الإجراءات الإسرائيلية في القدس وتشكيل لجنة قانونية في إطار الجامعة العربية لمتابعة توثيق عمليات التهويد.
وهكذا إسرائيل تهود القدس ونحن نكتفي بالتوثيق، نتانياهو يصيح بملء فمه أمام السادة في واشنطن، أن الاستيطان في القدس كالبناء في تل ابيب، ونحن ننشغل بمجرد التوثيق، ودعوة الآخرين إلى إعانتنا على هذه المهمة العويصة، التي تحتاج إلى لجنة ينبثق عنها لجان فرعية، على طريقة إذا أردت الهروب من قضية، فشكل لها لجنة تكفيك شر البحث عن حلول!.
فقبل القمة منح وزراء الخارجية العرب، السلطة الفلسطينية غطاء بالمفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل، وبرروا الأمر بإعطاء الاقتراح الأميركي فرصة لاستئناف عملية السلام المتعثرة، بفعل التعنت الإسرائيلي.
فكان رد نتانياهو في حضور نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في عقر الدار الإسرائيلية، بإعلان بناء 1600 وحدة استيطانية جديدة في القدس المحتلة، ضاربا عرض الحائط برغبة السلام العربية، ولم يهتم كثيرا بمدى الحرج الذي وضع فيه حلفاءه الأميركيين، الذين اكتفوا بلعق الإهانة، والتشديد من جديد على أن أمن إسرائيل من أمن الولايات المتحدة.
وبعد الصفعة الإسرائيلية لنائب الرئيس الأميركي، جاء مؤتمر (ايباك)، وشاهدنا كيف تنافس القادة الأميركيون في خطب ود إسرائيل واللوبي الصهيوني، ولذر الرماد في العيون أبدت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون عتابا لينا للحكومة الإسرائيلية على استمرارها في بناء المستوطنات، التي اعتبرتها تلحق الضرر بمستقبل العملية السلمية مع الفلسطينيين.
واستمرارا للعبة الضحك على الذقون ـ العربية طبعا ـ التقى الرئيس الأميركي باراك اوباما مع نتانياهو في البيت الأبيض، بعيدا عن وسائل الإعلام، للإيحاء بأن ثمة توترا في العلاقة بين الطرفين، وراحت الصحف الإسرائيلية والأميركية تروج لمثل هذا التوتر المصنوع.
وقالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية ان لقاء اوباما ونتانياهو انتهى بخلاف حاد في موضوع المسيرة السياسية مع الفلسطينيين واستمرار الاستيطان في القدس، وتحدثت صحف إسرائيلية أخرى عن برود الأجواء في واشنطن ولقاء من دون كاميرات بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، مختزلة الخلافات في شكل اللقاء لا مضمونه.
وفي المقابل كان الجانب العربي يلوح قبل قمة سرت بسحب مبادرة السلام من على الطاولة، وهو ما لم يحدث، واكتفت القمة بربط العودة إلى التفاوض بوقف الاستيطان، مع استمرار إعطاء الأميركيين فرصة جديدة للضغط على حليفهم الإسرائيلي، من دون ان يسأل أحد نفسه: هل يمكن لطرف منحاز أن يلعب دور الوسيط؟.
لقد فضل العرب الشرب من البئر المسمومة ذاتها، استمرارا للوقوع في وهم أن 99 في المئة من أوراق اللعبة بيد أميركا، ومن يريد استعادة الحق الضائع عليه أن يلجا إلى هذه الأوراق الملعونة، وليس الاعتماد على ما يملكه هو من وسائل وامكانيات على كثرتها.
أهدرنا من الوقت ما يكفي، وأضعنا من الإمكانيات ما لا يعد أو يحصى، على طريقة الفلاح الذي تمكن في نهاية الأمر من قطع الشجرة بنفسه من دون الاعتماد على أحد، فهل يدرك العرب مغزى القصة البسيطة التي علموها لناشئتهم ذات يوم، أم يظلون يدورون في الحلقة المفرغة، انتظارا لقمة جديدة تعقد للكلام، فيما الأفعال تظل غائبة؟
