صحيح أن نتائج قمة سرت العربية جاءت ضمن المتوقع دوماً من مثيلاتها من القمم العربية، التي تجاوز عددها الثلاثين قمة حتى الآن، من حيث طغيان الأقوال على الأفعال.
والوقوف على الأطلال وحواف المشكلات الحقيقية التي تعاني منها المنطقة، والاكتفاء في أحسن الأحوال بالشجب والندب والاستنكار حيال آلام ومعاناة وخيبات الأمل المتواترة، التي تحولت إلى خبز يومي يقتات عليه المواطن العربي، إلا أن أفق هذه الدورة كان مفتوحاً على مظاهر سياسية غير معهودة في الخطاب السياسي الرسمي العربي، أهمها ربما يكمن في دعوة عمرو موسى إلى إنشاء منظومة إقليمية للجوار العربي.
ليس لأن هذا المقترح يضم دولاً إقليمية مهمة مثل تركيا وإيران اللتين تعتبران من أهم الامتدادات الجيوسياسية الطبيعية لمجمل الدول العربية، بل إن الأهمية القصوى لهذا المقترح تكمن في استبعاد الدولة العبرية من تلك المنظمة الإقليمية المقترحة. استبعاد يشكل بحد ذاته تحدياً كبيراً للتوجهات الغربية في المنطقة.
وفي مقدمتها مشروعها الشرق أوسطي الجديد، والاتحاد من أجل المتوسط، وهما مشروعان كما هو معروف يهدفان إلى زج الكيان الصهيوني في النسيج الجيوسياسي لمنطقة الشرق الأوسط.
ويبدو أن هذه الدعوة العربية المتأخرة تجيء، أولًا، استجابة لقراءة سليمة في متغيرات إقليمية وكونية لم يعد بالإمكان إدارة الظهر لها، بعد أن باتت الأمور واضحة، ولم يعد يخفى على أحد تراجع جبروت الامبراطورية الأميركية ومن لف لفيفها في العالم. وبعد أن بدأت تبرز قوى اقتصادية إقليمية وعالمية جديدة، لن تلبث إلا أن تطل برأسها العسكرية عما قريب.
وتأتي، ثانياً، بعد أن تكشف لبعض العرب الوجه الحقيقي لمحاولات حرف الأنظار عن العدو الحقيقي الذي يهدد المنطقة متمثلاً بالدولة الدينية العنصرية الوحيدة فيها، وتركيز تلك الأنظار على عدو وهمي مثل إيران.
وتعكس، ثالثاً، خوف النظام الرسمي العربي من الفراغ السياسي والأمني وحتى الإداري الذي ستخلفه عملية رحيل تلك القوة الغربية المسيطرة على المنطقة ومقدراتها منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.
كما أن جامعة الدول العربية ربما أدركت ضرورة اللحاق بالركب وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من علاقات مع دول الجوار في المنطقة التي لطالما أدار لها النظام الرسمي العربي الظهر، موجهاً لها الصفعة تلو الأخرى، في مشهد يشي بشيء من العمى السياسي، بعد أن وضع العرب كل بيضهم، ليس في سلة واحدة فحسب.
وإنما في سلة المشروع الأميركي الصهيوني المعادي ليس لمصالح الأطراف العربية فقط، وإنما لمصالح دول الجوار، التي يطالب موسى ببناء منظومة إقليمية معها، فهل ستنسى هذه الدول أسى ماض أسود طويل؟ وهل ستكون قادرة على طي صفحة ملطخة بدماء أبنائها؟
من حسن حظ العرب أن أيادي الدولتين الجارتين غير العربيتين ممدودتين حتى الساعة لمصافحة ومعانقة هذا المقترح، وغيره من المبادرات التي تصب في الاتجاه عينه، ولا خوف من هذا الجانب على الاطلاق، لكن الخشية تأتي من أن جميع المؤشرات تقود إلى جهة واحدة فقط، تفيد بأن خيار النظام الرسمي العربي ليس هنا.
وأن اقتراح عمرو موسى جاء من فراغ، وسيبقى يحلق في فراغ، طالما أن الأنظمة العربية تعول على قوى خارجية تمكنها من البقاء في الحكم، وتدير الظهر للقوى والإمكانات الحقيقية التي تزخر بها مجتمعاتها وأوطانها، والتي لا تحتاج إلا لرفع القيد عنها، حتى تقول قولتها، وتنطلق نحو آفاق التحرر والتقدم والانعتاق من سطوة أجنبي جائر.
