سلطت الأزمة المالية الراهنة في اليونان الضوء على واقع لطالما تم تجاهله أو تجميله منذ وقت طويل: وهو أن السياسة المالية لمنطقة اليورو عشوائية وضبابية.
وهذه ليست ظاهرة قصيرة الأجل، بل حقيقة راسخة ليس بمقدور أي عمل جماعي منسق الآن تغييرها. وسوف تقوم المصارف المركزية العالمية، وصناديق الاسثتمار السيادية وغيرها من الكيانات المالية الكبرى بتعديل استراتيجياتها لتخصيص عملات الاحتياطات النقدية في ضوء هذ الواقع المتكشف حديثاً.
وهذه خطوة أولى، لكنها تشير إلى وصول اليورو إلى طريق مسدود في مساعيه لانتزاع حصة أكبر من تخصيصات الاحتياطات النقدية الدولية.
قد يبدو، للوهلة الأولى، ان اليورو يتمتع بمقومات قوية تؤهله للعب دور متزايد الأهمية في مزيج الاحيتاطات النقدية العالمية. فاليور يتمتع بقوة سيولته، وقبول التعامل به في اقتصادات معولمة عالية المنافسة، فضلاً عن مرونة تحويله إلى العملات الدولية.
كما أن السياسة النقدية لمنطقة اليورو التي تلتزم بضوبط صارمة لاستقرار سعر الصرف ربما تكون أكثر قابلية للتنبؤ منها في أي نظام آخر.
وذلك فضلاً عن حقيقة أن القوى الأوروبية تتمتع عموماً بعلاقات جيدة خالية من التوتر مع بقية العالم. وفي عالم اليوم اللاقطبي والمناهض لسياسات الهيمنة، يمكن النظر إلى كل هذه العوامل، من قبل القائمين على تخصيص عملات احتياطات النقد العالمية، باعتبارها مبررات جذابة لإعطاء اليورو حصة متزايدة بالمقارنة مع الدولار.
وخلال كافة مراحل الأزمة اليونانية ـ التي لم تنته بعد ـ تم تركيز قدر كبير من الاهتمام على الحل الأوروبي، المتمثل في فكرة ان بوسع ألمانيا أو فرنسا أو مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بطريقة أو بأخرى، ان تجلب الوضوح أو قابلية التنبؤ إلى سياسات الميزانية اليونانية.
وهذا التوقع العبثي بحد ذاته ينبغي أن يقرع ناقس موت مرحلة سابقة كان يعتبر فيها اليورو، خطأً، نظيراً للدولار، أو نسخة معززة وملمعة عن المارك الألماني أو الجنيه الاسترليني أو الفرنك السويسري.
لكن في كافة الأنظمة المالية المذكورة أعلاه، كانت السياسة المالية تتمخض عن عملية صنع سياسة محلية، بخلاف ما يحدث في منطقة اليور، التي لا تزال تفتقر لأية سياسية مالية موحدة.
ففي منطقة اليورو، يتم صنع السياسة المالية من قبل 16 حكومة مختلفة. ومن المفترض ان تكون هذه العلمية محكومة بمعايير ضابطة لمستويات الديون والعجوزات الحكومية ـ عند مستوى 60 بالمئة و3 بالمئة على التوالي من إجمالي الناتج المحلي كحد أقصى.
وعندما تخرق الحكومات هذه الحدود، يمكن للمفوضية الأوروبية الشروع في «إجراء عجز الميزانية المفرط»، بهدف إجبار البلدان على تصحيح تجاوزاتها. ويمكن لهذا الأجراء أن يفضي إلى فرض عقوبات قانونية وإدارية ومالية.
لكن هناك الكثير من الدلائل التي تشير إلى ان التلويح بالعقاب لم يكن له أي تأثير يذكر في إقناع الحكومات بتغيير سلوكها المالي: فاليونان مثلاً لم تلتزم يوماً بقواعد الديون.
وليس هناك سوى ثلاثة دول، أو دويلات، فقط يتخذ بحقها الآن إجراءات عجز الميزانية المفرط، وفي عام 2005، عمدت الحكومتان الألمانية والفرنسية بكل بساطة إلى فرض تغييرات على قواعد اللعبة، لمجرد أنهما لم ترغبا بالالتزام بالقيود المتفق عليها على عجوزات الميزانية.
وهذه الهيكلية لصنع السياسات المالية تعني ببساطة ان استنباط طبيعة الضرائب التي ستفرضها منطقة اليورو وحجم إنفاقها المتوقع عملية معقدة جداً ومتغيرة باستمرار.
ومجرد فكرة عملية الاحتياطي النقدي تبدو محافظة في هذا السياق، لأنها تنطوي على ضرورة توفير أعلى درجات الاهتمام بصون رؤوس المال، وخطط الطوارئ وإدارة الأزمات. وبالتالي فمن الطبيعي ان ينحاز المرء هنا إلى الأنظمة المالية التي تتسم بالوضوح وقابلية التنبؤ.
ربما تعكس أسعار الصرف، في أي وقت لا على التعيين، مجموعة افتراضات معينة حول السياسة المالية. لكن طبيعة هيكلية السياسة المالية نفسها لمنطقة اليور، لا الاتجاهات الحالية السائدة، هي التي تشكل أكبر تحد لفكرة اعتماد اليورو كعملة احتياط نقدي.
وصانعو السياسة الأوروبيون لا يستطيعون تغيير هذا الواقع، بل ان محاولة إيجاد سياسة مالية موحدة لمنطقة اليور تنطوي على مخاطر سياسية كبيرة ؟ خاصة عندما ينظر إليها باعتبارها بوابة خلفية لتحويل الثروات من البلدان ذات الديون الأقل إلى البلدان ذات الديون الأكبر.
وحتى لو أمكن التغلب على هذه العقبات السياسية، فذلك لن يعالج مشكلة الضبابية والغموض. وفي الميادين التي تشهد قدراً كبيراً من النفوذ السياسي المركزي ـ مثل السياسة الخارجية ـ تلعب الجماعات القومية وغيرها من جماعات الضغط دوراً كبيراً في صنع السياسة، وهو ما يوجد مصدراً إضافية للضبابية، إلى جانب كل المصادر الأخرى آنفة الذكر.
لذلك، فمن منظور خبراء تخصيص عملات الاحتياط النقدي، لن يؤدي إيجاد آليات جديدة للسياسة المالية إلى تحقيق أي تقدم ملموس باتجاه المزيد من الوضوح. فكما في أزمة الميزانية اليونانية، ليس هناك حل أوروبي لمشكلة الضبابية في السياسات المالية، لأن مشكلة اليورو هي في جوهرها مشكلة أوروبا.
وإذا كان هناك أية طريقة للتعامل مع الأزمة اليونانية الحالية، فسوف تتطلب على الأرجح تأسيس جهة مقرضة سيادية لمنطقة اليورو يتم اللجوء إليها كخيار أخير ـ بحيث تكون بمثابة نسخة أوروبية لصندوق النقد الدولي.لكن من غير المرجح ان تتمكن أي مؤسسة جديدة من هذا النوع من التعامل مع قضية شائكة أخرى في الاتحاد الأوروبي، .
وهي الافتقار لأية آلية رسمية للتعامل مع الوضع في حال نشوب أزمة مصرفية عابرة للحدود أكبر من أن تدار من قبل أي بلد واحد بعينه.
وهذه ايضاً مفاجأة محتملة أخرى مختبئة على عيون الأشهاد في منطقة اليورو ؟ وهي تمثل خطراً إضافياً آخر يجبر أي مسؤول حكيم في أي بنك مركزي عالمي على التفكير ملياً قبل زيادة حصة اليورو في احيتاطيه النقدي.
رئيس مجموعة يوراشيا للاستشارات السياسية
