تبقى منطقة الشرق الأوسط مثار جذب واهتمام دولي استثنائي، رغم المنغصات السياسية اليومية التي تخيم عليها، ورغم العقد والأزمات المستعصية التي تعمها، وهي أزمات استطالت وما زالت منذ زمن طويل.

وفي هذا المشهد الشرق أوسطي المعقد، تحاول البرازيل الدخول عبر متاهاته لتحقيق الحضور السياسي والاقتصادي في آن واحد، في مؤشر يحمل المغزى العميق لأهمية منطقتنا العربية، في نفي أو تثبيت حضور الأطراف الدولية المؤثرة في مسار رسم وتقرير السياسات الدولية.

فقد حملت زيارة الرئيس البرازيلي (لويس ايناسيو لولا دا سيلفا) الأخيرة للشرق الوسط، ولقاءاته التي أجراها مع مختلف الأطراف، الكثير من المعاني الهامة، في خطوات استئنافية لما بدأته البرازيل في مجال علاقاتها مع دول المنطقة منذ فترة غير قصيرة، وتحديداً منذ قمة العمل المشترك بين الدول العربية ودول أميركا الجنوبية والوسطى، والتي عقدت في الدوحة قبل عام مضى.

كما حملت الزيارة رسائل هامة، استطاع المراقبون والمتابعون التأكد من فحواها، في سعي البرازيل لتطوير علاقاتها مع دول العربية، كما مع دول الإطار المحيط بها كإيران، وفي الإطار المحيط بالشرق الاوسط، كجمهورية الصين الشعبية وروسيا الاتحادية، التي سيقوم الرئيس البرازيلي بزيارة كل منها، بدءاً من حزيران/ يونيو القادم.

ومن الواضح أن زيارة الرئيس البرازيلي الأخيرة للمنطقة حملت معها ملفات عدة، أولها الملف السياسي الذي عبر عنه الرئيس (دا سيلفا)، برغبة البرازيل في لعب دور مؤثر في مسار العملية السياسية في الشرق الأوسط.

وفي مساعدة جميع الأطراف للوصول إلى إقرار تسوية شاملة وعادلة، وبأن البرازيل بتاريخها وتجربتها السياسية السلمية، يمكنها أن تقدم مساهمة كبيرة لدفع عملية السلام في المنطقة، منتقداً في الوقت نفسه القوى الدولية، مثل الأمم المتحدة، التي لم تستطع إلى الآن الاضطلاع بدورها، في إشارة للدور السلبي الاستفرادي للولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، عكس الرئيس البرازيلي موقف بلاده الداعم لحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة، معتبراً أن تدهور الأوضاع المعيشية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، يشجع التطرف ويمكن أن يؤدي إلى إراقة المزيد من الدماء.

وفي موقف يحمل دلالات سياسية واضحة، رفض الرئيس البرازيلي زيارة قبر مؤسس الحركة الصهيونية اليهودي البريطاني تيودور هرتزل في القدس المحتلة، في إشارة قوية لا يمكن تجاهل فحواها وأبعادها.

وثاني الملفات التي حملها الرئيس البرازيلي في زيارته للمنطقة كان الملف الاقتصادي، والمعبر عنه برغبة البرازيل في توسيع علاقاتها الاقتصادية مع دول المنطقة، وتحويل العضلات الاقتصادية البرازيلية إلى نفوذ عالمي، من خلال دفع التجارة الجنوبية ـ الجنوبية.

وتعزيز الروابط السياسية مع الدول النامية، في سوق واعدة وجذابة من المغرب العربي وحتى إيران. لذلك فقد رافق الرئيس دا سيلفا في زيارته الأخيرة 80 من رجال الاقتصاد والمال والاستثمار في البرازيل.

وفي هذا السياق يظهر المثال التالي مدى تطور العلاقات الاقتصادية للبرازيل مع عدد من دول المنطقة، حيث إن التجارة السنوية بين البرازيل وإيران شهدت ارتفاًعا بلغ 40%، ووصلت إلى ملياري دولار منذ تولي الرئيس دا سيلفا الرئاسة عام 2003.

كما فازت شركة «بتروليو برازيليرو» المملوكة للدولة، ومقرها ريو دي جانيرو، بعقد للتنقيب عن النفط في المياه الإقليمية الإيرانية في الخليج. وفي المقابل رافق الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في زيارته للبرازيل العام الماضي 200 من كبار رجال الأعمال الإيرانيين.

أما ثالث الملفات التي حملها الرئيس البرازيلي في زيارته هذه للمنطقة، فقد عبر عنها برغبة البرازيل الساعية والطامحة للوصول إلى العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، وهو ما بات يتطلب منها حشد الدعم والإسناد الدولي من الكتل الأممية والإقليمية المختلفة، ومنها المجموعة العربية.

فالبرازيل تسعى منذ سنوات للفوز بمقعد دائم في مجلس الأمن، وهو مسعى تسير إليه أيضاً كل من الهند، وألمانيا، واليابان، وجنوب إفريقيا، إضافة لمصر العربية.

وفي هذا السياق، قدم الرئيس البرازيلي صورة سياسات بلاده القادمة، بطريقة متميزة ومقبولة عربياً، وتشير إلى محاولاته الابتعاد عن منطق الاحتواء الأميركي، بل ورفضه للعديد من المواقف الأميركية، كالموقف من الموضوع المتعلق بالملف النووي الإيراني.

فالرئيس البرازيلي دافع عن حق إيران في امتلاك برنامج نووي للأغراض السلمية، ورفض في تصريحاته المختلفة أثناء زيارته للمنطقة، منطق العقوبات الأميركية المقترحة، معتبراً أن ما حصل مع العراق لا ينبغي أن يتكرر مع إيران.

وهو في هذا يكون قد تماهى مع نهج الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، في تحدي الموقف الأميركي غير المتوازن بالنسبة للموضوع النووي الإيراني.

إن البرازيل تسير الآن بخطوات جيدة على صعيد الاستقلالية في قراراتها السياسية والاقتصادية، وتحاول في الوقت نفسه أن تضع أقدامها في أسواق الشرق الأوسط، كما تسعى لبناء علاقات سياسية متميزة مع المجموعة العربية، وهو موقف يفترض أن يتم تلقفه عربياً، والانتباه إليه، وعدم إهماله.

فالمستقبل الآتي واعد بالنسبة للبرازيل، نظراً لحجمها الجغرافي والبشري، وموقعها، إضافة لدورها المحوري في القارة الأميركية الجنوبية والوسطى.

كاتب فلسطيني

bdwan60@aloola.sy