يمثل النسق في العلم الاجتماعي، السياق المحدد للداخل فيه والفاصل للمختلف عنه. ويحدد النسق المراتب والمراكز والأدوار لأفراده، بل إن هذه المراتب والمراكز تحدد القيم والتوجهات الفكرية للنسق، وبالتالي أفراده.

والخروج على النسق في العرف الاجتماعي يرتقي لقدر من التمرد والثورة، وهو فعل يستدعي ردات فعل تتراوح بين الشدة والتراخي، وفق درجة وحجم التمرد والانشقاق.

فالخروج على النسق هو خروج على السلطة، سواء أكان ذلك في إطارها السياسي كدولة أو حزب أو جماعة سياسية، أو في إطارها الديني الواسع أو الضيق، أو في إطارها العشائري والعائلي.

والخروج على النسق ذو تكلفة تصيب الفرد، وهي تكلفة قد تخرجه من الأمة أو الملة أو الجماعة القبلية والعشائرية. وهي حالة تجد الكثير من مقارباتها في مجتمعاتنا المحلية والعربية.

وإذا كان التغير سمة النسق الاقتصادي منذ الثورة الزراعية حتى الآن، فإن السكون وممانعة التغير هما سمتان للنسق السياسي والديني. وتنبع أهمية النسق السياسي والديني، من كونهما نسقين للمحافظة على المجتمع في بعدهما الأمني والأخلاقي.

وهما لذلك يمتلكان أدوات شرعية وضبط، يقوم بعضها على العقاب والثواب. وفي حين أن ثواب النسق السياسي دنيوي، فإن ثواب النسق الديني أخروي.

والتمرد على النسق اعتبرته المجتمعات الغربية مسألة شخصية لا عقاب عليها، إذا لم يمس سلامة النظام وجوهر النسق الكلي القائم. إلا أن هذا الانشقاق في الحالة العربية، ذو تكلفة اجتماعية وسياسية عالية على الفرد وربما الجماعة التي ينتمي إليها.

وتبدو المفارقة في أن التمرد، وخصوصا الفكري، قد يعني في الحالة الغربية جالبا للأفكار الجديدة التي يشجع عليها المجتمع.

والتي من خلالها يستمد المجتمع حيويته وتحولاته الكبرى، لكنه في الحالة العربية يمثل نوعا من السقوط السياسي والارتداد الفكري وربما العقائدي، عما يجب أن لا يحيد عنه الفرد ولا يتجاوزه المجتمع.

وتراتب الأفراد داخل النسق، حالة تولد فهما معينا ونمطيا للحياة والنظام والكون وتفاعلاتها. ولذلك فإن من يجاهرون بالخروج على النسق تواجههمردات فعل قاسية، تلحق بهم الأضرار المعنوية والمادية، على عكس المنسحبين من النسق دون ضجيج أو مجاهرة.

فالنسق يتجه دائما نحو قدر من المحافظة على ذاته، من خلال تحييد ورفض التغيرات التي تأتي من داخله أو تلك القادمة من الخارج. وهو نتيجة لذلك يمتلك قدرة فائقة للمحافظة على الذات، من خلال رفض التغيير أو تقبل قدر محدود منه يكيفه مع السياق العام.

وأعتقد أن الخروج عن النسق قد يمثل بالنسبة لأصحابه انعطافة فكرية أو مجتمعية مهمة، وهي انعطافة قد تدفع نحو تطور مهم في النسق أو تقود نحو هدم تابوهاته المحرمة.

وتكشف لنا ردات الفعل العنيفة التي تأتي أحيانا من سلطة النسق، حدود إمكانية التغيير والحراك داخله، حيث تبدو مسألة الانصياع لهيراركية السلطة، تفوق مسألة تفعيل العقل ومزاياه التفكيرية. وهي مسألة لا يستشعرها إلا من هم خارج النسق أو الخارجون عليه.

وأتذكر جيدا قولا لأحد رؤساء وزراء الدول العربية السابقين، في ندوة فكرية عقدت قبل بضع سنوات في دولة عربية، يعكس هذه الحالة، حيث قال إنه « بات الآن يفكر بعقله»، فأجابه آخر كان للتو خارجا من منصبه الوزاري في دولة عربية أخرى: «إنني بدأت الآن أشعر بعودة عقلي».

وهي حالة يعيشها الساسة في كل مكان، فعودة العقل للساسة في الدول الغربية تحكيها أحاديثهم المختلفة عندما يكونون خارج المقعد السياسي. فالنسق السياسي، نتيجة لطبيعته المحافظة، يفرضن على أصحابه قدرا مهما من التحفظ والحذر في الأقول والأفعال.

كما أن كل النقد الموجه للنسق الديني في مشارق الأرض ومغاربها، قد وجه له من قبل الأشخاص الخارجين عن سلطة المؤسسة الدينية، والتي ـ لأسبابها الخاصة ـ تمارس قدرا من الضبط على أفرادها داخل النسق، كما أنها تحاول بالقدر ذاته المحافظة على صورتها ورسالتها الأخلاقية من التشوه.

ويمكن فهم محاولات الكنسية في الغرب، مثلا، احتواء سيل الاتهامات الأخلاقية التي تطال رجالاتها في هذا الإطار. وهي نتيجة لذلك تحاول أن تبعد عن نفسها الشبهات والأقاويل والاتهامات، التي تطال أفرادها في أخلاقهم ومسالكهم اليومية.

فالنسق الديني يفترض أن يَسبق دوره الأخلاقي وظيفته العبادية والطقوسية. ويمكن هنا القول إن حركة الإصلاح الديني في الغرب، قد شكلتها الكتابات التي جاءت من خارج النسق، إلا أن التغير الحقيقي نحو الإصلاح جاء من قبل المتمردين على النسق من داخله.

وخلاصة القول أن خلع عمامة هنا أو جلباب هناك، كما يطالب بعض دعاة الإصلاح في المنطقة العربية، إنما هو تعبير رمزي قد يعني في بعض مدلولاته رغبة داخل النسق أو خارجه، التأكيد على ضرورة إحداث التغيير أو التكيف مع مطالبه.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com