في كلمته الافتتاحية للقمة العربية الثالثة والعشرين في مدينة سيرت الليبية، وقبيل تسليم رئاسة القمة إلى الزعيم الليبي معمر القذافي، انتقد أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، العمل العربي المشترك وطالب الدول العربية بضرورة تخطي الإدانة والأقوال والشجب، مؤكدا الحاجة الماسة للتركيز على التنفيذ والعمل في الميدان، حيث قال:

«إن واجب الأمانة، إلى جانب حق الأمة وكرامة الإخوة من ملوك ورؤساء وأمراء الدول العربية، يفرض علي أن أقول من فوق هذا المنبر، إن العمل العربي المشترك يواجه أزمة حقيقية.. فقد توافرت أمامنا الشواهد والأدلة على أزمة عربية مستعصية، لم يعد ممكنا تجاهلها أو الالتفاف حولها».

عقود من الزمن مرت على إنشاء جامعة الدول العربية، فما هي الدروس وما هي العبر؟ وماذا حقق العرب من خلال هذا الجهاز، الذي سمي «بيت العرب» لبعث وتطوير العمل العربي المشترك؟

إن فشل جامعة الدول العربية يعكس أزمة العمل العربي المشترك، وفشل النظام الرسمي العربي في تحقيق التنمية المستدامة، وفي تحسين ظروف معيشة المواطن العربي.

فجامعة الدول العربية ما هي إلا انعكاس للأنظمة العربية، ويجب أن نقّر بأنه من غير المنطقي أن تكون هذه المنظمة ديمقراطية وفعالة وناجحة، وتتمتع بهياكل وأجهزة تعمل على تكريس الديمقراطية والحكم الرشيد لدعم وبعث العمل العربي المشترك، وهي في ظروفها ووضعها الراهن.

تعاني جامعة الدول العربية في حقيقة الأمر، من تناقضات ومشاكل الدول العربية، والتي تتمثل في ما يلي:

الأنانية القُطرية، والصراعات والنزاعات الجانبية بين العديد من الدول الأعضاء.

معضلة عدم توفر الإجماع العربي، بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة، وتبعية معظم الدول العربية لقوى خارجية مختلفة تتضارب مصالحها في المنطقة.

الارتباط باتفاقيات ومعاهدات ثنائية مع قوى خارجية، على حساب المصلحة المشتركة للدول العربية وعلى حساب العمل العربي المشترك.

تفتقد قرارات الجامعة لآليات الإلزام والتنفيذ، وهذا يضرب في الصميم فاعلية المنظمة.

انعدام التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، الذي يقوي العمل المشترك ويجعله فعالا إذا كانت هناك آليات للتكامل بين الدول العربية.

تهميش وإقصاء الشعوب العربية من الممارسة السياسية والمشاركة في صنع القرار.

عدم شرعية السلطة الحاكمة في معظم الدول العربية.

انعدام التداول على السلطة وثقافة الديمقراطية والحوار، واحترام الرأي العام والمجتمع المدني. الاستحواذ على النظام الإعلامي والسيطرة عليه من قبل السلطة، الأمر الذي يعيق العمل الديمقراطي وتكريس مبدأ النقد والنقد الذاتي.

فشل المشروع الديمقراطي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في معظم الأقطار العربية.

إن الفعل الديمقراطي في العالم العربي مغيّب، مع الأسف الشديد. ونلاحظ أن طاقات هائلة، مادية وبشرية، غير مُستغلة بطريقة جيدة. فالقرار لا يُتخذ بطريقة مدروسة، والسلطات لا تجد ما تقدمه لشعوبها. كما أن النظام الإعلامي في غالبه لا يقوم بدوره الحقيقي.

ويستغرق في التملق والتسبيح والتمجيد. فالفجوة إذن كبيرة جدا بين السلطة والجماهير على المستوى العربي بشكل عام، فكيف تنجح هذه الدول في تحقيق عمل عربي مشترك وهي عاجزة على تجسيد قواعد الديمقراطية داخل حدودها!

فالدول العربية عاجزة حتى الآن، عن إنشاء شبكة سكك حديدية مشتركة، أو شبكة طرق سيارة تربط المحيط بالخليج، أو شبكة كهرباء أو مياه أو غاز..

ومن هنا فإن جامعة الشعوب مغيبّة تماما، والعمل العربي المشترك نجده غائبا على مختلف المستويات، سواء تعلق الأمر بالسياسة أو الاقتصاد أو التعليم أو الثقافة أو الرياضة...الخ.

ومن دون تكامل اقتصادي وتبادل في مختلف المجالات بين الشعوب العربية، من موريتانيا إلى سلطنة عمان، فالكلام عن العمل العربي المشترك والكلام عن بيت العرب، يعتبر ضربا من النفاق السياسي.

فالأنظمة العربية بحاجة إلى وقفة مع الذات، لتحديد آليات التغيير والتأقلم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين. لا نستطيع أن نطالب جامعة الدول العربية بديمقراطية، في ظل أنظمة مستبدة لا تؤمن بالديمقراطية ولا بالحريات الفردية ولا بالفصل بين السلطات وحرية التعبير. فالتغيير لا بد منه، ويجب أن يأتي من الداخل وبإيمان عميق من صانع القرار.

إن مستقبل العرب يكمن في تحرير الفرد العربي، وإعطائه إمكانيات الخلق والإبداع، حتى يساهم بطريقة إيجابية وفعالة في بناء مستقبله ومصيره.

والأنظمة العربية اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الإصلاح والشروع في الديمقراطية وإشراك الجماهير في العملية السياسية وصناعة القرار، والتخلي عن الآليات السلطوية التعسفية والدكتاتورية، وإما التمسك بالوضع الراهن كما هو، وهو ما يعني الموت البطيء والخضوع والاستسلام للقوى الخارجية التي تتربص بالوطن العربي.

السلطة الحقيقية تكمن في الشعب، وليس في أجهزة البوليس والمخابرات وقوات الردع. والأمر يتطلب إعادة ترتيب لأوضاع النظام العربي الجديد، بإجراء إصلاحات حقيقية على المستوى الداخلي لكل قطر عربي، وعلى مستوى العلاقات البينية العربية، بما يحقق التنمية الشاملة والإصلاحات السياسية والاقتصادية والعلمية والفكرية،.

في إطار نظام عربي متكامل، يقوم على الديمقراطية واحترام الشعوب بالدرجة الأولى، واحترام الدول العربية الأخرى دون مزايدة ولا مساومة. فالشعوب العربية تحتاج اليوم إلى أنظمة عربية قوية تستمد قوتها من شعوبها ومن الشفافية والديمقراطية والحكم الرشيد.

كما تحتاج إلى عمل عربي مشترك قوي وفعال، يقوم على رؤى واستراتيجيات واضحة، وعلى الأفعال وليس الأقوال والشعارات الفارغة والرنانة.

لقد تركز الكلام في قمة سيرت حول المصارحة والشجاعة وتبني النقد الذاتي والاقتناع بضرورة الإصلاح والتغيير لتصبح الجامعة اتحادا، وليصبح هناك تدوير في الأمانة العامة وتدوير لرؤساء اللجان.

وكذلك «دمقرطة» المنظمة وآليات العمل فيها، كما هو معمول به في معظم المنظمات الإقليمية في العالم. والسؤال الذي يطرح نفسه؛ هل إعادة تنظيم وهيكلة وتغيير اسم الجامعة كاف لإصلاح العمل العربي المشترك وتجاوز الأزمة التي يتخبط فيها؟

لقد غير الأفارقة اسم منظمتهم من «الوحدة الإفريقية» إلى «الاتحاد الإفريقي»، لكن الأمور بقيت على حالها، وما زالت القارة السمراء تتخبط في مشاكلها، ومازال الاتحاد عاجزا عن تحقيق طموحات وآمال مئات الملايين من الأفارقة.. فهل سيكون العرب أحسن حظا منهم؟!

عميد كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae