التاريخ هو الوقائع والأحداث التي حدثت في الماضي، ومعظم مشكلات الحاضر جذورها في ذلك الماضي، وذلك يعني أننا لا نستطيع أن نعالج مشكلات الحاضر دون معرفة ظروف نشأة تلك المشكلات وأسبابها. لكن تلك المعرفة أو الفهم، ليسا مجردين وجامدين عند أخبار الماضي ووصف الحدث.
بل هما فهم للأبعاد المختلفة المتعلقة بوقائع الماضي والظروف الموضوعية التي وقعت فيها، مثل البعد الزمني والبعد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وذلك يحتاج إلى دقة في معرفة الحدث بالرجوع لمصادره الأساسية، وكذلك معرفة تلك الظروف المحيطة به.
وهذا يعني أن المتخصص في التاريخ أو الدارس له يجب أن يكون مثقفاً ثقافة تاريخية، أي ألا يكتفي بالدراسة النمطية المعلوماتية للأحداث التاريخية.
هذا في ما يتعلق بمهمة دارس التاريخ أو المتخصص فيه، أما المثقف غير المتخصص في هذا المجال، فهو غير مطالب بدراسة الحدث التاريخي من مصادره، ولكنه بالضرورة ينبغي أن تكون لديه ثقافة تاريخية.
فما هي الثقافة التاريخية؟ إنها جزء من الثقافة العامة التي يملكها المتخصص والمثقف، وهي فهم المشكلة باستدعاء جذورها وأسبابها، ومعرفة ظروفها ووقت وقوعها. هي فهم واسع ومعقول وموضوعي لأبعادها وتداعياتها وآثارها، بهدف تكوين رؤية تجاهها.
وهذه لن تتوافر إلا بالقراءة التاريخية الواعية والثاقبة، التي تركز على الأسباب والظروف التي وقع فيها الحدث وتطوره وآثاره، ثم النتائج التي ترتبت عليه.
وهذ يؤكد أهمية الثقافة التاريخية. إن مجالات عملنا المختلفة، وقضايا مجتمعاتنا، تطرح باستمرار في ندوات ومؤتمرات ودراسات ومقالات وحوارات، بهدف معرفتها وإغنائها بالأفكار والآراء والرؤى، لأنها قضايا وطنية لا يمكن أن يبتعد الإنسان المثقف عنها من أجل الوطن.
وهذه تطرح باهتمام وإلحاح أهمية الثقافة التاريخية، لأن امتدادات وجذور تلك القضايا تقع في الماضي، وعليه تظهر أهمية تلك الثقافة.
وبغيرها يكون الإنسان في حالة من الأمية الثقافية في مواجهة قضايا المجتمع، ويترتب على ذلك دور سلبي في المجتمع. نواجه أزمة في الثقافة التاريخية لدى المتعلمين والمتخصصين، بمن يهم المتخصصون في التاريخ.
فالمتخصصون في العلوم الإنسانية والاجتماعية جميعاً، يعتقدون بأن مهمتهم واهتمامهم يدوران في حدود التخصص الدقيق، وأحياناً في التخصصين الدقيق والعام، دون الاهتمام بمسألة الثقافة التاريخية، وهي بكل تأكيد مكملة لمجال التخصص.
فهل يستطيع المتخصصون في العلوم السياسية والجغرافيا السياسية والتاريخية والاجتماع السياسي والاقتصاد، أن يستغنوا عن الثقافة التاريخية لمجال تخصصهم وبحوثهم ونشاطاتهم العلمية والثقافية؟ لو فهمنا معنى الثقافة التاريخية، فإن الجواب سيكون أنه من المستحيل على أولئك أن يبتعدوا عن أو يبعدوا الثقافة التاريخية.
لكن المؤسف حقاً، أن الثقافة التاريخية لا تلقي الاهتمام من المتخصصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ومن ضمنهم معظم المتخصصين في التاريخ!
وإذا كان هذا هو حال المتخصص، فما بالك بغير المتخصصين المثقفين أو عامة الناس! لكن لا بد من استدراك مهم هنا، وهو أن عدداً من المثقفين وعدداً من عامة الناس، لديهم ثقافة تاريخية قد تفوق ثقافة المتخصص الذي اختار مجالاً ضيقاً وظل يدور في فلكه طوال حياته العلمية.
ولذا نرى دورا محدوداً لهذه الأعداد الكبيرة من المتخصصين وحملة الشهادات العليا، في الشأن العام ونشاطات مؤسسات المجتمع المدني، كما لا نرى هذا البعد الثقافي في دراساتهم. لم يدرك الكثيرون أن التخصص العلمي والحياة الأكاديمية وحدهما لا يكفيان لتقدم العلم والمعرفة والمجتمع، بل هناك دور مهم للثقافة التاريخية التي كوّنها البعض من قراءاته ومعايشته الحياتية وتفوق بها على المتخصص.
وعندما يكتب الأدباء، مثل يوسف بن عيسى وخالد سعود الزيد وخليفة الوقيان، تاريخاً مشفوعاً بثقافة تاريخية، كما فعل غيرهم من قبل مثل حمد الجاسر وغيره، فإن هذه حالات فردية.
ومن هنا يتطلب الأمر أن نؤكد على ضرورة أن تكون للمتخصص في التاريخ أولاً ثقافة تاريخية، ولا يكتفي بالتخصص الدقيق الضيق، وأن تكون للمتخصصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية ثقافة تاريخية، وأن يهتم المثقفون بالثقافة التاريخية، لأنها السبيل إلى التنوير والمساهمة الفعلية في نقد الواقع، وفي تكوين رؤية المجتمع لمستقبله.
لقد أشرنا عابراً إلى مسألة مهمة لتكوين الثقافة التاريخية هي القراءة، ونضيف أنه لا ثقافة تاريخية من دون قراءة مكثفة وجادة وجيدة، مع العلم أن ظروف العصر قد أضعفت القراءة، ولكن مهما كان الأمر تبقى القراءة هي الوسيلة التي لا غنى عنها للثقافة التاريخية.
وقد تكون هذه الثقافة وسيلتنا إلى معرفة حلول لمشكلاتنا التي سبقت دراستها ووضعها دون علمنا، وقد نكتشف كذلك من هذا الكنز ما يحفزنا على العمل الإيجابي لمواجهة مشكلاتنا، ووضع تصوراتنا الاستراتيجية لمستقبل أجيالنا.
الثقافة التاريخية مهمة نعيشها ونستلهمها، وعينا ذلك أم لم نكن واعين له، بيد أن الأهم هو أن تكون منهجيتنا سليمة، واستفادتنا عقلانية وموضوعية.
كاتب كويتي