يرى الكثير من الخبراء والمحللين أن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، التي اندلعت منذ أكثر من عام مضى ولا يعلم أحد مداها، ستكون لها تداعيات عديدة وستحدث تغييرات جذرية، سياسية واقتصادية واجتماعية وأيضا فكرية وأيديولوجية.
ومن هذه التغييرات التي بدأت مؤشراتها تظهر بوضوح، عودة الأفكار والنظريات الاشتراكية والشيوعية للظهور والتداول من جديد وبشكل جاد، وأيضا عودة الروح للكثير من الحركات والأحزاب اليسارية في العديد من بلدان العالم، وخاصة في القارة الأوروبية، هذه القارة التي كان كارل ماركس قد وضع من أجلها هي دون غيرها، نظريته الماركسية، وها هي ألمانيا موطن ماركس نفسه تشهد بداية المؤشرات.
حيث يتوقع المراقبون هناك أن يعود الشيوعيون إلى موقع الحكم في إقليم براندينبورغ في شرق ألمانيا، إذا توصلوا إلى اتفاق مع الاشتراكيين الديمقراطيين.
وينضوي الشيوعيون الألمان الآن تحت لواء «حزب اليسار»، وهو الحزب الذي أنشأه قادة الحزب الاشتراكي الموحد الألماني، الذين تولوا أمور السلطة في جمهورية ألمانيا الديمقراطية قبل توحيد شطري ألمانيا.
وسوف تمر في 9 نوفمبر المقبل، عشرون عاما على انهيار«جدار برلين»، هذا الانهيار الذي أعاد وحدة ألمانيا وشعبها تحت لواء دولة واحدة، لكنه في نفس الوقت قسم الشعب الألماني إلى مؤيدين للنظام الاشتراكي ومؤيدين للنظام الرأسمالي.
ورغم الدعاية التي صاحبت انهيار الجدار، والتي أوحت للعالم بأن الشعب الألماني كله يرفض الشيوعية والاشتراكية، إلا أن كانت هناك حقيقة خفيت، أو أخفيت، وهي أن كثيرين لم يكونوا مؤيدين لاتحاد الألمانيتين وكانوا ضد الرأسمالية الغربية.
وقد ظهر هذا الانقسام بوضوح في التوجهات لدى الشعب الألماني مؤخرا، مع تداعيات الأزمة المالية العالمية، إذ حصل حزب اليسار على 28% من أصوات الناخبين الذين شاركوا في الانتخابات المحلية، التي جرت في إقليم براندينبورغ في نهاية سبتمبر الماضي. وحاليا يتولى التحالف المكون من الحزب الاشتراكي الديمقراطي والاتحاد المسيحي الديمقراطي، أمور السلطة في هذا الإقليم.
وحصلت المفاجأة غير المتوقعة عندما أعلن قائد هذا التحالف ماتياس بلاتسيك عن ميوله اليسارية، حيث قال قبل أيام إن الزمن الجديد لا يجيز إعفاء قسم كبير من الناس من مسؤولية تسيير الأمور.
وقد دخل الاشتراكيون الديمقراطيون الألمان في حلف مع اليسار في مدينة برلين، ويقوم التحالف المكون من الاشتراكيين الديمقراطيين واليسار، بإدارة الأمور في العاصمة الألمانية، الأمر الذي يمكن أن يتطور مع استمرار الأزمة، ليسيطر الشيوعيون في تحالف اليسار على الأمور في ألمانيا.
وفي فرنسا أظهرت نتائج الانتخابات الإقليمية، خسارة حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية الذي يتزعمه ساركوزي، في مواجهة الحزب الاشتراكي وبقية أحزاب اليسار المعارض، ومن المعروف أن الشيوعيين الفرنسيين يتخذون من الحزب الاشتراكي المعارض ملجأ لهم منذ سنوات طويلة.
أما في بريطانيا فقد أعلنت شركة «شيدي لاين برودكشنز»، وهي شركة بريطانية معروفة تعنى بالمشاريع الفنية وتقوم بتصوير الأفلام الوثائقية، عن حاجتها إلى «أساتذة العلوم الماركسية السابقين من المعاهد السوفيتية».
وقال المخرج البريطاني المعروف فيل كولينز «إننا نحتاج إلى 20 أو 30 شخصا من معاهد الماركسية اللينينية، كما أنني أهتم بمَن عملوا مدرسين لهذه المادة في المدارس ومؤسسات التعليم العالي».
وعن سبب الحاجة إلى أساتذة العلوم الماركسية، قال كولينز: «أعلق أهمية كبيرة جدا على المواضيع المتعلقة بالأحداث التاريخية والعدل الاجتماعي، وخاصة في وقتنا الراهن حينما يجري تشويه الكثير من وقائع التاريخ أو يتم شطبها ببساطة».
وبحث كولينز عن مدرسين للماركسية في شرق ألمانيا من قبل، ووجد غالبية الماركسيين الألمان الذين التقاهم «متمسكين بالعقيدة الماركسية التي كانت سائدة في البلدان التابعة للاتحاد السوفيتي».
ووفقا لكولينز، تعيش «أفكار اليسار» نهضة في بريطانيا الآن، ويتزايد عدد البريطانيين الذين يتبنون أفكار الماركسية، في «رد فعل منهم على الأزمة المالية والبطالة والمصرفيين السمان»..
ولم يكن في تصوره أن «تكون أفكار ماركس الذي كان أدرى بطبيعة الاقتصاد من بقية العلماء، حية إلى هذه الدرجة اليوم». وقرر كولينز أن يذهب إلى روسيا للبحث عن أساتذة العلوم الماركسية، ليلقوا المحاضرات أمام الطلاب في بريطانيا.
كاتب أوكراني