لم تكن فرنسا في أي يوم من الأيام، هي الشريك الأوروبي الأقرب إلى الولايات المتحدة الأميركية على هذا الجانب من المحيط الأطلسي.
لكن هذا لم يمنع الفرنسيين عامّة من الاعتقاد أنهم في مركز اهتمام الأميركيين، على خلفية العون الكبير الذي قدمه الفرنسيون ـ «نكاية» بالانجليز حقيقة ـ أثناء حرب الاستقلال الأميركية. أمّا اليوم فلعلّ معرفة الأميركيين عن فرنسا، لا تتعدى كون أنها بلد أوروبي!
إن سماء العلاقات الفرنسية ـ الأميركية تناوبت فيها الغيوم وفترات الصحو، منذ أن أخرج الجنرال شارل ديغول بلاده من القيادة العسكرية الموحّدة للحلف الأطلسي عام 1966. وإن كان الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي أعادها إليها في العام الماضي.
وكان الرئيس ساركوزي قد أظهر «تاريخياً»، الكثير من التودد حيال الولايات المتحدة. ولم يغضبه أبداً ـ بل على العكس ـ أن يدعوه البعض بـ «ساركو الأميركي» للدلالة على صداقته الوطيدة بالرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش.
ولم يتردد أيضاً في نعت الرئيس الحالي باراك أوباما بـ «صديقه»، عندما كان مرشحاً وفي بداية رئاسته.. فقط «في البداية».
إن السياسة لا تحكمها العواطف وتصريحات «الصداقة». وبعد وصول الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض بفترة وجيزة، بدت رياح المصالح، وربما رؤية العالم، تدفع في اتجاه تباعد مواقف الرئيسين الأميركي والفرنسي، حيال العديد من الملفات.
وليس أقلّها الملف النووي الإيراني، والمجهود الحربي في أفغانستان، ومسائل نزع التسلّح «خاصّة النووي»، والعلاقات الأميركية ـ الأطلسية، وانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وخطط مواجهة التغيّر المناخي.. وأكثر من ملف تجاري.
على صعيد الملف النووي الإيراني، أبدى قصر الإليزيه باستمرار موقفاً متشككاً حيال دبلوماسية «اليد الممدودة»، التي قال بها الرئيس أوباما حيال إيران، بل واعتبرها الفرنسيون «مضيعة للوقت». وبالإجمال، تميل وتسعى باريس إلى التسريع بفرض العقوبات وتشديدها ضد طهران و«التضييق عليها»، أكثر من واشنطن التي لا تريد زيادة تأزّم الوضع في المنطقة، طالما أنها لم تخرج من ورطتها العراقية.
وبالنسبة لأفغانستان، ترى الرئاسة الفرنسية أن واشنطن لا توليها القدر الكافي من الاحترام، ولا تتعامل معها «على قاعدة المساواة» كشريك، بعد عودتها الكاملة للحلف الأطلسي.
بل هي تريد أن «تملي» عليها إرادتها، مثل إرسال 1500 جندي إضافي إلى أفغانستان، حسب طلب صاغه مبعوث واشنطن إلى باريس. واكتفت باريس، فيما بدا كاحتجاج صريح، بالموافقة على إرسال 80 تقنياً لتدريب رجال الشرطة الأفغان.
ولم تتردد أوساط المسؤولين الفرنسيين على أعلى المستويات، في وصف اقتراح الرئيس أوباما لعالم «دون أسلحة نووية»، بأنه اقتراح فيه الكثير من «السذاجة»، بل و«الخطورة» في زمن يتعاظم فيه تهديد انتشارها.
الرئيس ساركوزي نفسه أعلن غضبه الصريح في مجلس الأمن الدولي، خلال شهر سبتمبر 2009، ضد تصريح الرئيس أوباما (دون تسميته)، ولكن دون أن يحتاج الأمر إلى بذل أي عناء لمعرفة أنه المقصود.
وما تؤكّده وقائع عديدة، هو أن أوباما قد «أدار ظهره» خلال الأشهر الأخيرة لأوروبا. إنه لم يكلّف نفسه عناء حضور الاحتفال بالذكرى العشرين للحدث الأوروبي، بل العالمي، الذي مثّله سقوط جدار برلين، وفضّل آنذاك القيام بجولة آسيوية.
بعض المسؤولين الفرنسيين عبّروا عن الأمر، بالقول إن أوروبا «لا تظهر على راداره». وأشار آخرون إلى أنه لا ينبغي نسيان أن أوباما مولود على شواطئ المحيط الهادئ (الباسفيكي) وترعرع في أندونيسيا، وبالتالي تشغله الصين أكثر من أوروبا.
وأمام موقف أوباما، على غرار سابقه بوش، المتحمّس والمطالب بضرورة انضمام تركيا بسرعة إلى الاتحاد الأوروبي، كان ردّ ساركوزي واضحاً ولا يخلو من الحدّة، عندما أعلن أن هذه مسألة أوروبية و«بلدان الاتحاد الأوروبي وحدها هي صاحبة القرار بشأنها».
أمّا «المنعطف» في علاقة ساركوزي بأوباما في اتجاه التباعد، فقد رآه كُثر في قمّة كوبنهاغن خلال شهر ديسمبر الماضي حول التغيّر المناخي. فقد سعى أوباما يومها لإبرام اتفاق مع الدول الصاعدة، وخاصّة الصين والبرازيل، مبتعداً عن شركائه الأوروبيين، ومعارضاً لتدابير ملزمة اقترحها الفرنسيون. هؤلاء وصفوا موقف أوباما أنه «يفتقر إلى استراتيجية واضحة».
تباينات وتناقضات، إذن، حول العديد من القضايا. ويضاف إليها تعارض كبير على مستوى الشخصيتين، بين أوباما وساركوزي. الأول متحفّظ إلى حد «الغموض»، مما يجعل من الصعب التعرّف على حقيقة نواياه. والثاني مندفع، جعل من الحركة ذاتها فضيلة.
مجلّة نيوزويك الأميركية كتبت في شهر أكتوبر الماضي، تحت عنوان «عقدة ساركوزي حيال أوباما»، ما يلي «الاثنان يريدان أن يكونا على الصفّ الأول. أوباما كرئيس للولايات المتحدة، وساركوزي على قاعدة طموحه الكبير».
والسؤال هو: هل يمكن للقاء «عائلي» بين أوباما وساركوزي في البيت الأبيض، ولتصريحات متفائلة وصور حميمة، أن تكون تعبيراً فعلياً عن عودة الحرارة إلى العلاقات الأميركية ـ الفرنسية، و«دليلاً على صداقة خاصّة»، كما أشارت مصادر الإليزيه؟ التريّث في الإجابة مطلوب... وبقوّة.
كاتب سوري ـ باريس