طرحت فكرة الاتحاد العربي في قمتين عربيتين متتاليتين، الأمر الذي يستحق وقفة مفاهيمية لتوضيح الفكرة، ومعرفة أبعادها وأفضلياتها في الزمن العربي المعاصر، ذلك أن المهم في مثل هذه المسميات هو المضمون لا المصطلح.
فالاتحاد الروسي ليس كالاتحاد الأوروبي، باعتبار أن الأول يتشكّل من عشرات الكيانات التي تنضوي تحت لواء دولة اتحادية مركزية، حتى وإن شملت أربع جمهوريات مستقلة، ومدناً كبرى ذات إدارة خاصة، وكيانات تتمتع بنظام حكم محلي واسع الصلاحيات.
في المقابل، سنجد الاتحاد الأوروبي مشابهاً اسماً للاتحاد الروسي ومختلفاً عنه في آن واحد، حيث إن كيانات الاتحاد الأوروبي مستقلة بجملتها، ولا تشترك مع بقية أعضاء الكيان إلا في ما يتم الاتفاق عليه، ولصالح عموم الاتحاد.
ويتسع هذا الأمر باصطفافات ثنائية وتعددية في إطار الاتحاد، بما يعني أن الاتحاد الأوروبي لا يلغي سياسة الدول المنضوية في إطاره، بل يسمح بتعظيم أفضليات التكامل والتعاون، مؤسساً لقواعد ومعايير مالية وجمركية وتجارية وصناعية وخدماتية، يتم الاتفاق عليها جماعياً، وتعمم تجريباً ودراسة لا قسراً.
أومأت إلى النموذجين الأوروبي والروسي، لتعريف ماهية الاتحاد العربي المرجو، ولتحديد معالم الطريق، ابتداء من تحرير العوامل التي من شأنها الارتقاء باقتصادات الدول العربية، مروراً بالاعتبار من التجارب الإنسانية الماثلة، ووصولاً إلى إعطاء التجربة فرصة للنمو المتدرج، دونما إقلاق لسيادات الدول القائمة، ومركزية قوانينها الداخلية في بلدانها، وحتى تعميم مرئيات القانون الدولي الخاص الذي ينظم العلاقات بين الجنسيات القائمة على أسس المواطنة القانونية بوصفها دالة الهوية والانتماء.
وبهذا المعنى، لا أعتقد أن الرائين لمشروع الاتحاد العربي، يفكرون في تحقيق الوحدة العربية بناء على نماذج الأحلام الطوباوية الرائعة للمرحلة الناصرية، كما لا أعتقد أنهم بصدد تجاوز عتبة النموذج الأوروبي القائم والناجح، رغماً عن التعدديات الإثنية والدينية والصراعات التاريخية التليدة بين بلدان القارة العجوز.
يتميز نموذج الاتحاد الأوروبي في كونه أذاب الصراعات الداخلية في البلدان الأعضاء، من خلال العقد الاجتماعي، ودولة النظام والقانون، والهوية المقرونة بالمواطنة. ثم استطردت تلك البلدان بشمول رؤيتها عن المهاجرين القادمين إليها من مختلف بلدان العالم، بل ابتكرت منافع تشمل أعضاء الاتحاد وتنطلق من كل العالم، ومنها ـ على سبيل المثال ـ ما يسمى بتأشيرة «شينغن» التي تمنح لزائري 23 بلداً أوروبياً من خلال نافذة واحدة.
سنجد مثل هذه البراغماتية الرشيدة لدى الصين، التي ما فتئت تتحدث عن «صين واحدة ونظامين»، فيما تحافظ على نظامي هونغ كونغ وماكاو تاركة أمر تناغمهما واندماجهما مع الصين الكبيرة لعقود من السنين، يقدرها الصينيون بخمسين عاماً! وعندما تشتبك شركة غوغل العالمية مع آليات الرقابة على الإنترنت في الصين، تنقل نشاطها بكل بساطة إلى هونغ كونغ التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من الصين.
مشروع الاتحاد العربي يتطلب قراءة أفقية لتجارب الاتحادات في العالم، وعدم الركون إلى استطرادات المنطق الرعوي الصغير، والمقيم في مرابع عاداته التليدة. ذلك أن الوحدة أياً كان شكلها، تعمم الخير على الجميع وتجعلنا رقماً عالمياً يتناسب مع تاريخنا وجغرافيتنا وكيانيتنا التي لا ينقصها إلا شيء من الحكمة.
في العالم العربي الكبير، نتوفر على الحيلة والفتيلة للنظر إلى الحقائق الوجودية، والتحديات الكبيرة الماثلة. فالعالم برمته يتأبّى عن التعامل معنا إلا بوصفنا عرباً، بل إنهم يمعنون في توصيف وتحديد معالم هذه الهوية «الفلكلورية» التي تجمع بين برميل النفط والسكين، وتنبري بسحنات صحراوية حادة الخطوط.
هذه النظرة النمطية لا تعول كثيراً على الفوارق المشهودة في التجارب السياسية والاقتصادية العربية، وتدير ظهرها، في آن واحد، إلى سر العبقرية التاريخية للهوية العربية النابعة من الإسلام واللغة العربية، والتي جمعت تاريخياً أنساقاً من الثقافات وأحوالاً من الوجود، وأشكالاً من التنوع اتسعت باتساع جغرافيا المكان والزمان، لتشمل النصف الإفريقي بكامله وجزءاً كبيراً من آسيا.
الاتحاد العربي لن يكون وسيلة لاستعادة تلك العبقرية التي كانت سبباً في سيادة وانتشار هذه الهوية الثقافية، بل إنها ستعيد إلينا كامل العمقين الإفريقي والآسيوي، الهائمين في فضاء الطفو والحيرة. فهذه الشعوب الأقرب إلينا، تتخطفها جوارح الطيور المعولمة بمشاريع ثقافية فرانكفونية وأنكلوساكسونية، ولا اعتراض لنا على هذه المشاريع.
ولكننا نستطيع استدعاء المشروع العربي الإسلامي بالمعنى الثقافي وهو الأقرب إلى تلك البلدان، وبالاستتباع، يمكننا أن نكون رقماً مصاناً بالمنعة، فاعلاً في شراكة إنسانية تستمد قيمتها من تاريخنا وحكمة أسلافنا الكبار.
كاتب وباحث يمني