غياب الحسم في الانتخابات العراقية التي أعلنت نتائجها نهاية الأسبوع الماضي، أدخل البلاد في دوامة جديدة يصعب التكهن بتداعياتها. فتقارب القوى الرئيسية، بالذات قائمة رئيس الوزراء السابق إياد علاوي، ورئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي، قد عَقَّدت المشهد السياسي. فحصول القائمة العراقية على واحد وتسعين مقعداً.

وحصول القائمة المنافسة، وهي «دولة القانون»، على عدد أقل منها بمقعدين، يعني أن التحالف أمر حتمي إن أريد تشكيل الحكومة، التي يستلزم تشكيلها 163 مقعداً من أصل 325 مقعداً هي مجموع أعضاء المجلس الوطني العراقي.

وإذا ما أعطت المحكمة الدستورية قولها الفصل في من يكلف بتشكيل الحكومة، هل هو من فاز بأعلى عدد من المقاعد، أي قائمة علاوي، أو من يستطيع استقطاب أكبر عدد من نواب المجلس، والأرجح أن يكون المالكي، ولو سارت أمور الطعون الانتخابية على ما يرام وحسب الأصول المرعية، وانعقد مجلس النواب ليختار رئيساً له وآخر للجمهورية، فإن أي حكومة ستشكل ستكون حكومة ضعيفة، سواء شكلها علاوي الفائز بأعلى عدد من المقاعد، أو شكلها منافسه المالكي الذي جاء بعده في الترتيب.

فرئيس الوزراء «المكلف» سيمد بصره إلى القائمتين الرئيسيتين اللتين جاءتا في الترتيب الثالث والرابع، وهما قائمة الائتلاف الوطني بقيادة عمار الحكيم، والقائمة الكردية التي تضم البارزاني والطالباني. وكلتا القائمتين لهما مطالب صعبة، وهما يشعران أنهما في موقف قوة، وكلتاهما تشعر أن هذا أنسب وقت للضغط لتحقيق ما يصبوان إليه.

فقائمة الحكيم التي تضم ضمن مكوناتها الرئيسية أتباع مقتدى الصدر، لها موقف متصلب من عودة البعثيين وقبولهم في أجهزة الدولة أو السماح لهم بالنشاط السياسي، بل يمكن القول إن كلا من القائمتين تبدي تشدداً أكثر من الأخرى في هذه المسألة. وهذا بالطبع سيصعب من عمل علاوي إذا ما كلف بتشكيل الحكومة، وهو المعروف بانفتاحه أصلاً على البعثيين، خاصة أن القاعدة العريضة التي صوتت له هي من المناطق العربية السنية المتهمة بولائها لهذا الحزب.

أما إذا كُلف المالكي، فربما المصيبة أكبر، فهو متهم من الطرفين «بمغازلة البعثيين» تحت ذريعة المصالحة الوطنية، وهو قد أعاد عشرين ألفاً من عناصر الجيش والشرطة إلى مراكز عملهم أثناء الحملة الانتخابية، وهؤلاء من الذين استبعدوا نتيجة لماضيهم السابق المرتبط بحزب البعث. وهو فوق هذا وذاك، قد دخل حرباً مفتوحة ضد أنصار الصدر، في ما سمي بعملية «صولة الفرسان» في الجنوب العراقي، وفي مدينة البصرة تحديداً، قبل سنتين.

والأكراد أيضاً لهم مطالب عصية على التحقيق من قبل كلا المرشحين: علاوي والمالكي، فقضية كركوك، من بين قضايا أخرى، ستدخل في مساومات تشكيل الوزارة القادمة، خاصة أن المناسبة مثالية للضغط تحقيقاً لضم كركوك إلى إقليم كردستان، واعتبار سكانها النازحين إليها من زمن النظام السابق، وهم من العرب والتركمان، ليسوا من سكانها بل غرباء عليها، وبالتالي لن يدخلوا الانتخابات القادمة بوصفهم مسجلين فيها.

ولا شك أن الشارع العربي بشقيه السني والشيعي، لن يرضى بأي حل ينتقص من مكانة كركوك بوصفها مدينة لكل العراقيين بكل مكوناتهم، ومن غير العملي والواقعي عدم انتماء سكانها العرب والتركمان، سواء النازحين إليها من عقود طويلة، أو الذين سكنوها ضمن سياسة «التعريب»، ولا يتوقع أنهم سيرتضون بأي حل ينتقص من مكانتهم بوصفهم عراقيين يسكنون في مدينة من مدن بلادهم، كما يفعل الأكراد، الذين يقطنون كافة مدن العراق، وعلى وجه الخصوص العاصمة بغداد.

وربما لا تبقى الكيانات السياسية على حالها، «فزواج المصلحة» الذي جمعها أيام الانتخابات لأسباب «برغماتية»، ربما ينفرط عقده ليذهب كل إلى طريقه، والأرجح أن يكون ذلك ضمن قائمة الائتلاف الوطني، حيث الخلاف التاريخي بين حركة الصدر، ذات الجذور المختلفة عن حركة المجلس الأعلى بقيادة الحكيم. والمطلعون على تاريخ الحركتين يدركون حجم الخلافات بينهما، بل حجم التوتر القائم بينهما منذ أيام النشأة الأولى في ثمانينات القرن الماضي.

حالة «السيولة» في القوائم واحتمال تغير عناصرها وخروج كتل منها، ربما تسهل أو تعقد من التشكيل الوزاري، بحسب تطور الأوضاع، وشكل تلك الانقسامات وأسبابها.

يبقى أن ثمة خيارا مهما وواردا، وإن لم يكن واقعياً إلى الآن واحتماله ضئيل، وهو أن تتحالف كتلتا علاوي والمالكي لتشكيل حكومة، بالطبع بالشراكة مع الأكراد، ليكون تكوين تلك الحكومة ممثلاً للمكونات الرئيسية الثلاثة للشعب العراقي خير تمثيل. وإن تم ذلك، فستكون الحكومة قوية ومرضياً عنها من أوسع شرائح الشعب العراقي، وهي التي ستعيد اللحمة لأبناء الشعب الواحد، وتكون قادرة على تحقيق أوسع برنامج وطني للإعمار، الذي نفد صبر العراقيين من انتظاره.

وهي أيضاً سيكون باستطاعتها السير بالبلاد نحو إنجاز الاستقلال الكامل برحيل القوات الأميركية، وبالحلول مكانها في حفظ الأمن الداخلي والدفاع عن حدود العراق وسيادته، ومد يد التعاون إلى الجوار العربي والإسلامي، واستعادة مكانة العراق في المجتمع الدولي.

إنه خيار إنقاذ العراق، وهو ما يتمناه المخلصون جميعاً.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com