المتابع لآراء الجماهير العربية قبل وبعد انعقاد القمة العربية في ليبيا، يكشف حالة من اللامبالاة بين هذه الجماهير، ليس فقط تجاه القمة، ولكن أيضا تجاه الواقع العربي ككل.
ورغم ذلك، فإن حالة اللامبالاة هذه لا تعكس عزلة عن الواقع وعدم وعي به؛ فالملاحظ أن حالة اليأس التي أصابت المواطن العربي، ارتبطت بدرجة وعي كبيرة ومتنامية، وهي حالة تزيد من الإحساس باليأس والقنوط، وتؤدي لانفلات الممارسات وتخبطها بشكل متطرف وعنيف.
فمعظم تعليقات القراء عبر مختلف مواقع الإنترنت، تكشف عن عدة اتجاهات يمكن تحديدها في ما يلي:
يرى معظم القراء من مختلف الدول العربية، عدم جدوى القمة العربية وأنها لن تقدم شيئا للمنطقة. ويستحضر الكثير منهم القمم السابقة وما نتج عنها، ليؤكدوا توجهاتهم ويدعموا تشاؤمهم مما سوف يحدث.
اللافت للنظر أن هؤلاء القراء يربطون بين فشل القمم العربية وبين الصعود الإسرائيلي في المنطقة، ويركزون بشكل خاص على ما يحدث في القدس الآن. ويلوم القراء بشكل كبير، القادة العرب على ما آلت إليه الأمور.
ويؤكدون على أن المصالح الشخصية والتوجهات الفردية والقُطرية، هي المصدر الأول لضعف العالم العربي ولهيمنة إسرائيل على مقدرات المنطقة. ويرى هؤلاء القراء أن الواقع العربي كان من الممكن أن يتمتع بوضعية أفضل بدرجة أكبر، لو اتحد القادة العرب واتخذوا قرارات جمعية في مواجهة إسرائيل.
ورغم أن الأحداث السياسية، وبشكل خاص ما يحدث في فلسطين، تحوز على قدر كبير من اهتمام القارئ العربي، فإن القضايا الأخرى حازت أيضا على قدر من الاهتمام، وعلى رأسها قضايا التنمية والتحديث. فرغم التنديد واسع المدى من قبل القراء بإسرائيل، فإنه من الملاحظ أن الكثيرين منهم عقدوا مقارنات عديدة بين تقدم إسرائيل وتخلف العالم العربي.
واستحضر القراء في هذا السياق الكثير من القضايا ذات الصلة بحياتهم اليومية، وعلى رأسها الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر في الكثير من الدول العربية. ولم يقف الحال فقط عند الجوانب الاقتصادية المباشرة، لكنه تعداها لبعض الجوانب الأخرى، مثل تدهور التعليم وانهيار مؤسساته المختلفة وعلى رأسها الجامعات، وتخلف الوضع الصحي بين الكثير من المواطنين العرب.
وإذا كان القارئ العربي قد ندد عبر تعليقاته المختلفة بالواقع السياسي المتفكك عربيا، فإنه أبدى اندهاشا كبيرا لعدم قدرة الدول العربية مجتمعة على تجاوز الخلافات السياسية المتجذرة، من أجل تدعيم مصالحها الاقتصادية عبر التعاون المشترك.
فإذا كانت صراعات السياسة تفرض قيودا معينة على التعاون المشترك، فإن المصالح الاقتصادية وما يرتبط بها من مكاسب كانت أدعى للم الشمل والتعاون المشترك، وهو أمر ما زال بعيد المنال في العالم العربي.
بل إن القراء قد أبدوا اندهاشهم من حجم التعاون بين الدول العربية منفردة، وبين غيرها من دول العالم، في الوقت الذي يقيمون فيه الحواجز ضد بعضهم البعض ويقيدون من حركة التجارة البينية.
اللافت للنظر أنه، رغم الخلافات العديدة بين القراء العرب والتي تظهر عبر مناسبات كثيرة في ما بينهم عبر صفحات الإنترنت، مغلفة بنزعات شوفينية ضيقة وعدائية، فإنهم توحدوا بدرجة كبيرة على التعبير عن يأسهم مما آلت إليه الأحوال في العالم العربي، وما يسببه لهم انعقاد القمة العربية من اجترار للأحزان، وارتفاع لحدة التشاؤم واليأس.
وعلى ما يبدو فإن هذا التوجه لم ينتج عن قناعة بأهمية التخلص من هذه النزاعات، بقدر ما تم تحت ضغوط الحياة اليومية ونقمة المواطن العربي على القيادات العربية.
ورغم ذلك لم يخلُ السياق من اختلافات بين القراء العرب، ارتبطت بواقع الجامعة العربية المهترئ ووضعية الأمين العام.
فقد انعكست مواقف البعض المسبقة على التنديد بالجامعة وأمينها، والمطالبة بتغييره، بل وبنقل الجامعة العربية ذاتها من القاهرة. ولم تقف حدة الخلافات عن هذا المستوى، بل تعدته إلى دعوات أخرى مباشرة تطالب بقطع العلاقات مع إسرائيل من جانب البعض، ووقف التطبيع معها من جانب البعض الآخر.
ولم يُهدئ من حدة الخلافات التي ظهرت بين شرائح مختلفة من القراء العرب، إلا القراء الذين لزموا الهدوء والحكمة، ودعوا إلى تجاوز الخلافات المندلعة عبر صفحات الإنترنت، وإلى مواجهة العدوان الإسرائيلي وخطط التهويد المختلفة التي يمارسها في القدس المحتلة. واستعان هؤلاء القراء بالكثير من الآيات والأحاديث النبوية، التي تحض على الاتحاد وتنبذ العنف والفرقة بين المسلمين.
كشفت قراءة تعليقات القراء العرب خلال الأيام الماضية، عن أزمة حقيقية يواجهها المواطن العربي، بين وعيه القوي بحالة الضعف العربي واستئساد إسرائيل في المنطقة، وبين عدم قدرته على مواجهة الواقع العربي وتغييره.
وفي ظل استمرار هذه الوضعية، على الأقل في المدى المنظور، فإنه من المتوقع أنها ستؤدي للمزيد من الممارسات المتطرفة غير المحسوبة، ليس فقط على المستوى الديني الذي نُحمله كافة الممارسات، ولكن أيضا من خلال مستويات أخرى عديدة قد نعرف بعضها ونتوقعه، لكننا لا نعلم بالكثير منها ولا نتوقعه.
كاتب مصري