«تطوير العمل العربي المشترك» هو المهمة التي عهد بها القادة العرب في ختام قمة سرت إلى لجنة خماسية، على أن تتقدم اللجنة التي تتكون عضويتها من خمسة رؤساء دول عربية، باقتراحات محددة إلى اجتماع قمة استثنائي كامل يعقد في موعد أقصاه أكتوبر المقبل. ويمكن منذ الآن التنبؤ بأنه لا اللجنة الخماسية في توصياتها، ولا القمة الاستثنائية في مداولاتها وقراراتها، سوف تنفذ إلى المعضلة الجوهرية التي تقعد بالعمل العربي المشترك.
فما هذه المعضلة الجوهرية؟
لتبسيط القضية فلنعد إلى صفحة من التاريخ السياسي العربي القريب.
قبل نحو أربعة عقود زمنية، وتحديداً في عام 1968، أعدت الولايات المتحدة في عهد الرئيس ليندون جونسون، مشروعاً أطلقت عليه «الحلف الإسلامي»، بهدف جمع الدول العربية مع إيران الشاهنشاهية ضمن جبهة استراتيجية موحدة، للوقوف في اصطفاف قوي ضد التيار القومي الناصري.. بمعنى محاربة القومية العربية الناصرية، بوضع العاطفة الدينية الإسلامية في مواجهتها.
منذ ذلك الحين جرت مياه كثيرة تحت الجسر، بحيث تبدل الحال؛ فصار التيار الإسلامي الراديكالي من منظور الولايات المتحدة هو العدو، ما يستوجب حشد الدول العربية في اصطفاف جديد لمحاربته. فالظاهرة تحولت، من المنظور الأميركي، إلى «إرهاب إسلامي».
ليس غريباً أن تغير الولايات المتحدة، عبر العقود الزمنية المتواصلة، من مناظيرها الجيو ـ استراتيجية، خاصة وأنها قوة عظمى، تمارس عملها الاستراتيجي على المستوى العالمي بأكمله، وذلك انطلاقاً من مبدأ «المصالح القومية الحيوية».. حتى لو اتسم هذا التغيير بالتناقض.
لكن الغريب حقاً، هو تجاوب الدول العربية بصورة كاملة مع المتغيرات والتقلبات الأميركية المتناقضة. فقد تجاوبت مع المشروع «الإسلامي» ضد القومية العربية، لتتجاوب لاحقاً مع المشروع «القومي» ضد التيار الإسلامي.
المعضلة الجوهرية العظمى التي تحول دون أي تطوير إيجابي أساسي للعمل العربي المشترك، على صعيد النظام الرسمي العربي، هي إذن أن هذا النظام سليب الإرادة؛ بارتهانه بالكامل إلى ثوابت الإرادة الأميركية تجاه الأوضاع المصيرية في منطقة الشرق الأوسط، بما يجعل حكومات عربية، بما فيها السلطة الفلسطينية، عاجزة عن أي تحرك فاعل، إلا داخل نطاق الدائرة الأميركية.
هذا هو التفسير الأوحد لانحباس مؤتمرات القمة العربية المتتالية، داخل أطر البلاغة اللفظية فارغة المضمون، التي لا تنتج سوى بيانات شجب ووعود مكرورة.
ما المخرج؟ وكيف يمكن للأنظمة العربية التحرر من أسر الإرادة الأميركية، المرتهنة بدورها إلى اعتبارات أمن إسرائيل، وضمان بقائها متفوقة كقوة إقليمية عظمى في المنطقة؟
هناك قاعدتان تحكمان التوجه السياسي الخارجي لأية دولة، في أي زمان وأي مكان: قاعدة الإيديولوجيا، وقاعدة المصالح الحيوية.
القاعدة الإيديولوجية كان يسترشد بها الاتحاد السوفييتي كقوة دولية اشتراكية ماركسية.. بينما القاعدة الثانية هي القاعدة المعتمدة لمعظم الدول ذات التوجه الاستقلالي.
ربما لا يكون الظرف الدولي في هذا العصر ملائماً لأن تأخذ الدول العربية بالقاعدة الإيديولوجية في تحركها الإقليمي والدولي (كأن تعتمد الإيديولوجية الإسلامية مثلاً)، ولكن لماذا لا تأخذ الدول العربية بمبدأ المصالح القومية الحيوية في تعاملها مع العالم عامة والولايات المتحدة على وجه الخصوص؟
لأميركا شراكة استراتيجية ثابتة مع إسرائيل. وعلى الجانب الآخر، لها أيضاً شراكة استراتيجية مع غالبية الدول العربية.
ولكن عندما يقع تضارب لدى واشنطن بين هاتين الشراكتين، فإنها تنحاز لمتطلبات الشراكة مع إسرائيل، على حساب الدول العربية، فرادى أو مجتمعة! والسؤال الذي يطرح إذن هو: لماذا في مثل هذه الحالة لا تتعامل الحكومات العربية مع الولايات المتحدة بمبدأ تكافؤ المصالح الحيوية؟
لماذا تتحيز إدارة أميركية لمصلحة إسرائيل وضد العرب، دون أن تلقى ما يستحق من عقاب يمس مصالحها الحيوية مع الأنظمة العربية؟
بعد هذا كله، ينبغي أن نقول إن المعضلة أشد عمقاً. إنها معضلة غياب النظام الديمقراطي في بلدان العالم العربي.
الأنظمة تتمادى في رهن استقلاليتها لدى واشنطن، لأنها متيقنة تماماً من أنها لن تلقى محاسبة شعبية، لأن أدوات المحاسبة الشعبية لا تتوافر إلا ضمن نظام ديمقراطي تعددي. ومثل هذا النظام غير موجود إلا اسمياً.
وهكذا يمكن تلخيص المعضلة في سؤال بسيط من كلمتين: أين الديمقراطية؟
ولذا سوف تبقى مؤتمرات القمة العربية منتديات سنوية للسبك اللفظي البلاغي، لحين إشعار آخر غير معلوم المدى.
كاتب صحافي سوداني