كنت في الأسبوع الماضى قد عرضت للأزمة التي طرأت على العلاقات الأميركية الإسرائيلية، منذ زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن لإسرائيل، التي أعلن الإسرائيليون خلالها عن بناء 1600 وحدة سكنية جديدة في القدس الشرقية، وتناولت الجهد الكبير الذي بذله لوبي إسرائيل في الولايات المتحدة، لاستعادة السيطرة على أجندة الشرق الأوسط في واشنطن.
فليس سراً أن خطة عمل «إيباك» لهذا العام، كانت تقوم على أن تتصدر تلك الأجندة قضيتان؛ الأولى هي المشروع النووي الإيراني، والثانية هي مكافحة الحملة الدولية لنزع الشرعية عن الاحتلال وفضح ممارساته.
لذلك اعتبر لوبي إسرائيل أن الخلاف الإسرائيلي الأميركي بخصوص الاستيطان، يمثل عرقلة لتلك الأجندة ويصرف الانتباه عنها، ومن ثم لا بد من استعادة زمام الأمر من جديد.
وبناء عليه، مارست المنظمات المناصرة لإسرائيل، ضغوطاً شديدة عشية مؤتمر «إيباك»، وبالفعل حدث نوع من التهدئة في الخطاب الرسمي الأميركي، وعادت نغمة الالتزام الأبدي بأمن إسرائيل للمقدمة في ذلك الخطاب.
وبدأ مؤتمر «إيباك»، أقوى المنظمات المناصرة لإسرائيل واللوبي الرسمي لها، في تلك الأجواء، وانطوت كلمة هيلاري كلينتون أمام المؤتمر على لغة بالغة القوة في دعم إسرائيل، وتخفيف الحدة التي تحدثت بها مسبقاً عن موضوع الاستيطان.
فهي قالت إن التزامها شخصياً «والتزام أوباما والإدارة كلها بأمن إسرائيل ومستقبلها، صلب كالصخر ولا يهتز ومستمر وإلى الأبد».
ورغم أن كلينتون لم تتراجع عن موقف الإدارة بشأن المستوطنات، إلا أنها قدمت اعتراضها عليها، لا باعتبار تلك المستوطنات غير شرعية ـ كما قال أوباما في القاهرة ـ وإنما باعتبارها أولاً مهددة لإسرائيل ذاتها، في ضوء الوضع السكاني على الأرض.
غير أن الحكومة المتطرفة في تل أبيب، لم تساعد لوبي إسرائيل في واشنطن. فهي أطلقت خلال تلك الفترة مجموعة من التصريحات المستفزة، منها الإعلان عن 20 وحدة سكنية إضافية في القدس الشرقية، وكان آخرها كلمة نتنياهو نفسه التي ألقاها أمام مؤتمر «إيباك»، بعد ساعات قليلة من خطاب هيلاري كلينتون.
فقد كانت لغة الخطاب التي استخدمها نتنياهو، تنطوي على غطرسة لا تخطئها العين، ومثلت تحدياً علنياً بالغ الوضوح لأوباما وإدارته.
فهو قال صراحة إن «القدس ليست مستوطنة، وإنما هي عاصمة» إسرائيل، وهو ما يعني أيضا أنه لا وقف للاستيطان فيها. وبينما أثنت كلينتون في خطابها على السلطة الفلسطينية، كال لها نتنياهو الاتهامات، ووصفها بأنها لا تفعل شيئا من أجل السلام.
بل إن خطابه انطوى على كذب صريح في ما يتعلق بالسلطة الفلسطينية، فهو قال على سبيل المثال، إن السلطة دعمت تقرير غولدستون، بينما الحقيقة أن السلطة كانت للأسف وراء تأجيل عرضه أمام الأمم المتحدة، بل هي التي طلبت الآن، أيضاً، تأجيل مناقشة تقرير ريتشارد فولك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن الخطاب كان ينضح برؤية معادية للعرب بامتياز، لا تريد إدارة أوباما بالقطع أن يرتبط بها اسم الولايات المتحدة. فهو قال على سبيل المثال، إن إسرائيل تسعى للإسهام في إيجاد بدائل للطاقة.
مضيفاً أنه «حين يحدث ذلك، فإننا سنتوقف عن تحويل مئات المليارات إلى النظم الراديكالية التي تدعم الإرهاب»، وهو ما يقصد به تحديداً دول الخليج. ولم يتورع نتنياهو عن استخدام الخطاب التلفيقي نفسه، الذي كان سائدا وقت إدارة بوش الابن الذي كان يتبنى فكرة بائسة، مؤداها أن المسلمين يكرهون الغرب بسبب حرياته وتقدمه.
فقد قال نتنياهو، على سبيل المثال، إن «كراهية المتعصبين للحضارة الغربية تعود إلى ألف عام قبل إنشاء إسرائيل»، وإن كراهية الغرب ليست نابعة من كراهية إسرائيل، وإنما كراهية إسرائيل هي التي نبعت من كراهية الغرب، لأن هؤلاء «يرون في إسرائيل امتداداً للحرية والديمقراطية (الغربية) التي تمنعهم من السيطرة على الشرق الأوسط».
بعبارة أخرى، أجج نتنياهو النار بدلاً من أن يساعد على إطفائها، فكانت النتيجة أن استقبله أوباما في البيت الأبيض ورفض أن تتم تغطية اللقاء إعلامياً. فلا مؤتمر صحافياً مشتركاً، ولا حتى شريط فيديو للقاء.
واضطر نتنياهو لمد زيارته لواشنطن مرتين، لمحاولة رأب الصدع والوصول إلى موقف توفيقي.
وعادت إدارة أوباما للتعبير العلني عن خلافها مع إسرائيل. فها هو وزير الدفاع الأميركي يقول صراحة إنه «ليس لديه شك» في أن غياب التسوية، يؤثر سلباً في المصالح الأميركية في المنطقة.
والخطاب العلني لإدارة أوباما حول خلافها مع إسرائيل، له أهمية بالغة. ذلك أن التطور الحقيقي الذي يجري هذه الأيام في أميركا تجاه القضية الفلسطينية، لا يأتي من إدارة أوباما.
وإنما يحدث في الساحة السياسية الأميركية وعلى صعيد الرأي العام. فلأول مرة صار هناك من يعبّرون بوضوح عن وجود تباين بين المصالح الأميركية والمصالح الإسرائيلية، وأن إسرائيل صارت عبئاً على الولايات المتحدة.
والجديد هنا ليس التعبير عن ذلك المعنى، فهو موجود في المجتمع الأميركي طوال الوقت. الجديد أن هذا النوع من الخطاب لم يعد يتم تداوله على هامش الساحة السياسية، ولا في الخفاء، وإنما صارت هناك رموز تقوله بصوت عال، وفي منابر ظلت دوماً في قلب الحياة السياسية الأميركية لا في أطرافها.
وهو ما أثر في موقف الرأي العام الأميركي، فهو على الرغم من أنه يؤيد إسرائيل، فإن نسبة معتبرة منه صارت اليوم ضد الاستيطان في الأرض المحتلة.
والحقيقة أن تعبير إدارة أوباما بشكل علني عن خلافها مع إسرائيل، يغذي هذا التحول ويكرسه.
بعبارة أخرى، القضية ليست ما إذا كانت إدارة أوباما ستقوم بلي ذراع إسرائيل. ففي ظل الضعف العربي الراهن، فإن هذا التحول على صعيد الداخل الأميركي، هو في الواقع المقدمة الضرورية لمثل ذلك الضغط على إسرائيل.
كاتبة مصرية
