قبل سنة، ورث الرئيس الأميركي باراك أوباما عن سلفه ركوداً اقتصادياً، نتج عن هلع الأسواق المالية في أعقاب انهيار فقاعة سوق العقارات السكنية. وازداد الأمر سوءاً بسبب مخاتلات وول ستريت، والطيش في فريدي ماك وفاني ماي. وتبعت ذلك خسارة أعداد كبيرة من الوظائف.

واستجابة لهذا الوضع، دفع أوباما بمشروع قانون تحفيز اقتصادي، تخطى برنامج الاقتراض الذي أقره جورج بوش في أشهره الأخيرة في السلطة. وفي الواقع، فإن أوباما والكونغرس اقترضا 787 مليار دولار، لحقن الاقتصاد بسيولة جديدة بهدف توليد فرص عمل.

ولقد حذرنا الرئيس الأميركي من أنه من دون هذا الاقتراض، ربما تتجاوز معدلات البطالة عتبة الـ 10، وهذا يعني خسارة أكثر من 4 ملايين وظيفة في 2009 وحدها.

ولهذا تستمر إدارة أوباما المحرجة الآن، في الاستشهاد بأرقام مفترضة لعدد الوظائف التي تم إنقاذها، بدلاً من الحديث عن العدد الحقيقي للوظائف التي فقدناها هذه السنة.

وقبل أسابيع قليلة، خرج علينا كل من مستشارة الأبيض فاليري غاريت، والمتحدث باسم البيت الأبيض روبرت غيبس، والمستشار رفيع المستوى ديفيد أكسيلرود، بأحاديث متفاوتة عن «آلاف وآلاف»، و«5 .1 مليون» و«مليوني» وظيفة تم إنقاذها. إذا كان المطلعون على بواطن الأمور في البيت الأبيض أنفسهم عاجزين عن تحديد أرقامهم النظرية بدقة، فماذا يقول البقية؟

لماذا يستمر فقدان الوظائف؟

أولاً، الحكومة لا تستطيع خلق فرص عمل إلا عن طريق الاقتراض والإنفاق، وهي في ذلك أقل كفاءة من القطاع الخاص في التفاعل مع احتياجات السوق؛ منتجات جديدة، خدمات جديدة، وأذواق استهلاكية جديدة. كما أن رفع الميزانيات الفدرالية يعني في المحصلة مزيداً من البيروقراطيين، لتقييد القطاع الخاص بمزيد من اللوائح والأنظمة التي تثني عن الإبداع والتجريب.

وفي المقابل، فإن الإدارة الأميركية التي تقول إنها من مناصري الشركات الصغيرة، تزعم أن الشركات والأعمال التجارية الصغيرة توظف نحو نصف إجمالي مجموع الأميركيين العاملين. لكن مقاولي البناء، وأطباء تقويم الأسنان، ووكلاء العقارات المحليين، وشركات البرمجيات الصغيرة (وغيرهم من أصحاب الأعمال التجارية الصغيرة)، لم يقتنعوا طوال السنة الماضية بأنه حان الوقت للبدء في شراء تجهيزات جديدة، وتوظيف موظفين جدد، والاستعداد لارتفاع الطلب الاستهلاكي.

لماذا يستمر الركود بين أرباب العمل؟

يعتقد الكثيرون بأن الإدارة لا تفهم مدى صعوبة أن يعمل المرء لحسابه الخاص، وهو اعتقاد مبرر، لأن الرئيس والعديد من أعضاء حكومته، لم يسبق لهم أبداً أن عملوا خارج السلك الحكومي أو السلك الأكاديمي.

فالوظائف الدائمة مدى الحياة، والزيادات السنوية شبه الأوتوماتيكية، غير موجودة في عالم سمسار التأمينات أو المزارع أو سائق الشاحنة.

ولذلك، عندما يصغي أرباب العمل لأفكار الرئيس الكبيرة لإصلاح قطاع الرعاية الصحية، لا بد أنهم يجفلون، في سرهم، من ارتفاع تكلفة العاملين لديهم. وعندما يستمعون إلى خطبه الرنانة عن سياسة الطاقة المقترحة، لا بد أن يخشوا، في سرهم، من ارتفاع تكاليف الطاقة.

وأسوأ من هذا وذاك، كان الكلام المشوش في هذه السنة الفائتة عن مختلف أنواع الضرائب. فخلال حملته الانتخابية في 2008 وسنته الأولى في الحكم، سمعنا الرئيس يطلق وعوداً بإقرار ضرائب دخل جديدة، تعود إلى المستويات العالية التي كانت في عهد كليتنون.

لكن تلك الزيادات، لو أقرت الآن، ستأتي في أعقاب زيادات حادة أخرى في الضرائب المحلية، التي أقرها الكثير من الولايات على الدخل والمبيعات المحلية منذ عام 2000.

وخلال المناظرات بشأن إصلاح نظام الرعاية الصحية، كانت هناك أيضاً وعود بتطبيق رسوم إضافية، خاصة على برامج التأمين الصحي الخاصة ذات التكلفة الباهظة.

ولا ننسى أيضاً مقترحات أوباما بشأن ضرائب الميراث، التي كانت ترمي إلى إلغاء قرار إيقاف ضريبة الميراث التي تصل إلى 45% من قيمة أي شيء يتركه المرء لورثته، إذا تجاوزت قيمته الإجمالية 5 .3 ملايين دولار، وهو رأس مال سبق أن خضع أصلاً للضريبة عند الاقتناء.

وكنتيجة لهذه النوبة المحمومة من أحاديث الضرائب، أصبح مالكو الأعمال التجارية الصغيرة، لا يعرفون حتى كم سيبلغ إجمالي قيمة الضرائب المترتبة عليهم؟، ومتى سيتم تطبيق الضرائب الجديدة؟!

وكل ما يستشعره هؤلاء، هو أن إدارة أوباما تريد ملاحقة أصحاب الأعمال التجارية الناجحين، لتمويل المزيد من التزاماتها الفدرالية تجاه الآخرين، وكأن هذه الخمسة في المئة من الأميركيين الذين يدفعون ما يعادل 55% من ضرائب الدخل الإجمالي، لا يدفعون ما يكفي الآن.

وإذا أراد الرئيس أوباما فعلاً أن يعزز نمو فرص العمل، عليه أن يتحدث بشكل محدد. عليه أن يكف عن الاقتراض، ويركز بدلاً من ذلك، على إخبار أوساط المال والأعمال، بكل دقة ووضوح، عن ماهية ضرائب الدخل والرسوم الإضافية التي يقترحها، ومتى ستبدأ، وكيف سيقدّر أولئك الذين سيدفعونها؟

عندما يتعلق الأمر بتوفير المناخ النفسي المناسب لتشجيع أرباب العمل على البدء في تشغيل موظفين جدد، فإن التسلح بقليل من اليقين وقليل من المديح، سيعطي نتائج أفضل بكثير مما تفعله الريبة، والحديث المتواصل عن فرض المزيد من الضرائب على أولئك الذين يدفعون الآن أكبر قدر منها.

أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد

opinion@albayan.ae