نفخر بلا شك، بحجم الثقة التي منحتنا إياها قيادتنا الرشيدة، تلك الثقة التي تنبسط ممتدة لتشمل جميع أبناء الوطن على اختلاف مستوياتهم، وينعم بها كل من أراد أن يقدم نفسه معول بناء في عملية التنمية التي تسير عليها الدولة.

ونعلم علم اليقين أن هذه الثقة الكبيرة ما كانت لتجد طريقها في صفوف أبناء الوطن، لولا قناعة أولياء الأمور بأن ابن البلد أولى ببلده وأجدر بالارتقاء به، وأحرص على حماية مكتسباته.

ثقة نلمس ثمراتها في كثير من العاملين المخلصين والمسؤولين الناجحين، والوزراء المتفانين في خدمة وطنهم، ونلمسها في حضور أبناء الوطن شباباً وفتيات في شتى مناحي الحياة، يحملون مثابرتهم وجدهم واجتهادهم سلاحاً يقارعون به عقبات الحياة، ويثبتون أن ثقة أولي الأمر كانت في محلها، وأنهم لم يخيبوا ظن من أوكلوا إليهم المهام صغرت أو كبرت.

ثقة نتلمس حضورها في توصيات قيادتنا الحكيمة على الدوام بأن الإنسان هو غاية عملية التنمية، وأن البناء الطيب في الإنسان ينتج شجرة مباركة تؤتي أكلها كل حين، ممتدة في عمق الزمان والمكان، حاضرة بقوة في عطاء أبناء البلد الحريص على وطنه ونهضته، الساهر على مصلحة المجتمع، الحافظ للأمانة المنوطة به.

ثقة نرى صورتها ناصعة مشرقة في سمعة الإمارات في المنطقة والعالم، البلد الناهض المنطلق الذي أثبت نفسه وأصبحت مدنه تزاحم كبرى مدن العالم، ويجذب المستثمرين وطالبي النجاح إلى أرض الوطن، أرض الأحلام لدى الكثيرين. وما كان لهذه السمعة أن تعبر آفاق الزمان والمكان، إلا بجهود أبنائها المخلصين، الحريصين على تأكيد الهوية الوطنية وأصالة التراث والقيم الإنسانية التي نحملها.

ولكن، رغم هذا الذي نقوله، فإن هناك مقابلاً لا بد من وجوده في من أنيطت بهم هذه الثقة ليرعوها حق رعايتها، فيكونوا حماتها والحريصين عليها، ولا يفرطوا فيها مهما تصاعدت في النفوس أبخرة الحظوظ الشخصية، ومهما اتسعت دائرة الصلاحيات التي تمتد إليها الأيدي.

فالمسألة قبل هذا وذاك، أمانة مجتمعية وحقوق مطردة لكل فرد من أبناء الوطن، وليست وظيفة يتسلق المرء عليها لنيل مصالحه الشخصية.

وهي أيضاً مسؤولية أمام الله والمجتمع، يسأل عن جميع مفرداتها ومتطلباتها، فلا يقدم هواه على الصالح العام، ولا يضحي بمكتسبات وطن أمام دعوات النفس وحظوظها.

ولا شك في أن التهاون بأداء المسؤولية أو المساس بحصانة المجتمع والحق العام من خلال نافذة الوظيفة، يهدم بلا هوادة بناءً من الثقة حُرص على زرعه في أبناء الوطن وغرسه في الكفاءات المواطنة، ليكونوا قدوة اجتماعية تجذب الطاقات الشابة إلى أداء الأصلح والبحث عن الأنجح في العمل والعطاء.

هي قضية حساسة تنخر في عمق البناء الاجتماعي، إن استشرت ـ لا قدر الله ـ حتى تكون البلاد بين مطرقة الأهواء وسندان الأطماع، وحتى تغدو مكتسبات الأمة مهددة بالضياع.

وما يثلج الصدر ويزرع في النفس الأمان والطمأنينة على منجزات الوطن، تلك العين الساهرة التي لا ترضى المساس بالمجتمع ولا تفرط في حقوقه، فالموظف وراء مكتبه أو في ميدان عمله مراقب بعين الحرص العامة، ومطالب بجودة الأداء وإخلاص العطاء، ومسؤول أمام القانون كبر حجم وظيفته أم صغر، لأن حقوق الأمة فوق كل الحقوق، والواجب الاجتماعي تكليف يسأل القائم به عن أدق تفاصيله، ويرتقي في المكانة والتشريف بقدر إخلاصه وإتقانه.

ولذلك كان لا بد من تكثيف حملات الرقابة، التي لا تتهاون مع الثغرات ولا تتساهل مع هفوات المتجرئين على الحقوق العامة، وتسليط الضوء على أدق ما يمس البناء الحضاري الذي حرص الآباء المؤسسون على تجسيده واقعاً ملموساً، وحلماً محققاً نعيش تفاصيل خيراته كل لحظة.

وعلى الجانب المقابل، يستلزم الأمر أيضاً تكثيف حملات التوعية وتقوية الوازع الديني، والتركيز على صحوة الضمير الإنساني الطامح لبلوغ أعلى المراتب، بالجد والاجتهاد وليس عبر الطرق الملتوية، الحريص على عطاءات المجتمع أكثر من حرصه على مكاسب النفس.

ونحن أبناء الإمارات نعرف بعضنا وندرك حساسية مثل هذه الأمور على مستقبلنا، وتأبى علينا أصالتنا وثقافتنا وموروثنا أن نكون محط التهم في خيانة الثقة، وأي ثقة؛ إنها ثقة مجتمع، وثقة أولياء الأمور، وثقة أجيال ترقب المستقبل بعيون الأمل والتفاؤل.

مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»

noraalswidi@yahoo.com