عندما يرتبط الأمر بقضايا مصيرية مثل المساس بالأمن القومي لأي بلد، لا يبقى هناك مجال للاعتبارات التبسيطية المختلفة، ولا يمكن بالتالي الانطلاق منها لاختيار مبدأ التعامل المرن، حتى في سياق العلاقات بين الدول.

فمسألة الإخلال بالأمن ليست أمرا اعتباطيا أو عابرا يمكن غض النظر عنه، ولا هي مخالفة سير أو أي نوع آخر من الجرم «المبسّط» الذي يمكن أحيانا العفو عنه.

فالمستهدف في هذه الحالة هو أمن البلاد أولا وسلامة الرعية ثانيا، وقبل هذا وذاك، تكون الكرامة الوطنية الشاملة والمصلحة الاستراتيجية العليا في وارد الحسبان حتما.

هكذا كان الحال دائما في أي صراع أمني ـ مخابراتي حول العالم، وهو ينسحب بالتأكيد على قضية التعكير الوقح لهدوء دبي وسكينة أهلها، قبل أشهر قليلة من قبل إسرائيل.

لقد فهم بعض الدول، مثل بريطانيا، أبعاد التحرك الإسرائيلي الأمني المذكور انطلاقا من هذا الواقع، فقررت التعامل معه ببعض الحزم حفاظا على ماء وجهها على الأقل، لكن أيضا لامتصاص نقمة حلفائها العرب مما جرى.

إلا أن ملايين البشر حول العالم، وليس العرب فقط، يتوقعون منها ومن الدول الأخرى التي ورّطها الموساد في عملية دبي الأخيرة، أن تكون أكثر حزما في ما يخص ملامستها للبعد القانوني لما جرى.. وهذا أضعف الإيمان.

لقد اضطرّت بريطانيا مؤخرا لطرد دبلوماسي إسرائيلي من سفارة بلاده في لندن، لأنها اعتبرت ذلك، على الأرجح، الطريقة الأقل ضررا في سياق أي تكتيك دبلوماسي أنيق يهدف لتحقيق هدف واضح: الحفاظ على العلاقات الطيبة مع كافة الأطراف المعنية، بما فيها إسرائيل، وإنقاذ سمعتها أمام الرأي العام العربي بخصوص ما جرى في دبي.

ولقد بانت نتائج ذلك التحرك بوضوح من خلال ردة الفعل الإسرائيلية المنضبطة، التي فهمت أبعاد التحرك المذكور، وقررت عدم الرد عليه بالمثل. والأرجح أن الحال سيتكرر إذا قررت دول أخرى أن تحذو حذو بريطانيا.

لكن بعيدا عن هذا المنطق الدبلوماسي الحذر، يبدو أن عملية الموساد المذكورة وما نتج عنها من تبعات مختلفة، لم تقف عند حدود إمارة دبي الشجاعة، بل تعدّتها لتساهم في إعادة النقاش مجددا حول مسألة الأمن القومي للدول العربية.

وكيفية تحصينه من الاختراقات العديدة، لاسيما تلك التي تتقصّد زعزعة أمنها واستقرارها، انطلاقا من رؤية مدروسة لآفاق الصراع القائم.

فلا شيء يمكنه دكّ دعائم أي نظام في العالم، أكثر من تلك الاختراقات. وهذا أمر نراه منذ زمن بعيد في تفاصيل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ولا يزال قائما حتى يومنا هذا.

لكن الأهم من ذلك، هو أن تلك الاختراقات قد بدأت تتمدد مجددا إلى ما بعد حدود دول الطوق المحيطة بفلسطين، معيدة إلى الأذهان وقائع الحرب السرية التي كانت قائمة في مرحلة مضت.

هنا يستشعر كثيرون خطرا معيّنا في ما يخص ميزان القوّة في هذا الصراع المخابراتي ـ التخريبي، لأنه لا يزال ميّالا بوضوح لصالح الدولة العبرية. وهذا أمر يتفق حوله الجميع، لأن أهمية الدور المخابراتي في الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للبلاد، هو أمر مكرّس في العمق الإيديولوجي لقادة إسرائيل.

وهنا بيت القصيد في ما أحاول أن أشير إليه، حيث إن تنمية تلك القناعة لدى أي بلد عربي، إن وجدت أصلا، يستوجب تأمين سلسلة من الأمور الضرورية لإنجاح المعركة، أو على الأقل للاستفادة من رصيدها وقت الضرورة..

وبالإضافة للإمكانيات المادية الضخمة والكفاءات القديرة التي يجب تأمينها بعناية، فإن أول ما يجب أن تسعى إليه أية دولة، هو تبنّي مجموعة من الأهداف الواضحة والشفافة التي تضمن التفافا صادقا حول القيادة. وهذا غائب للأسف في معظم الدول العربية.

إن كل مجتمع معرض للاختراق، من خلال مجموعة من العملاء الساقطين الذين يمكن شراؤهم بسهولة. ولا أتحدث هنا عن هؤلاء الذين يمارسون أدوارهم التجسسية انطلاقا من قناعات سياسية أو دينية أو إيديولوجية، بل عمّن يتحولون إلى سلعة تشترى وتباع، وفق لائحة أسعار يتم وضعها وفق ظروف المرحلة.

وهذا أمر واضح نراه يوميا من خلال شبكات التجسس التي يتم كشفها باستمرار.

غير أنه في خضم هذه المعمعة، تبرز إشكالية خطيرة يحاول بعض المفكّرين طرحها كمادة لتفنيد مسألة الولاء، وما قد يتفرع عنها من مصطلحات تعكس عمق، أو على الأرجح ندرة، ارتباط المواطن العربي بقيادته ووطنه.

وقد لفت انتباهي لهذا الأمر المفكّر الأميركي اليهودي المعارض لسياسات إسرائيل نورمان فينكلشتاين، خلال لقائي به في براغ مؤخرا، حيث زعم جازما أن إسرائيل لم «تعانِ» في تاريخها المعاصر من مسألة الخيانة لصالح العرب إلا في ما ندر، في حين أن هذا الأمر بات مألوفا ومتعارفا عليه في الجانب الآخر.بدون أدنى شك، هذا موقف يستحق التوقف عنده والتفكير فيه مليا.

وأعتقد أن المطلوب اليوم ودائما، هو التدقيق في الحيثيات والأسباب التي تُجبر المواطن العربي على استسهال مسألة الخيانة وبيع نفسه من أجل حفنة من الدولارات، في وقت يبدو فيه المواطن الإسرائيلي، كما يزعم بعض المفكرين، محصّنا من ذلك الوباء!

هو موضوع حساس، كان من المفترض طرحه للنقاش منذ فترة طويلة، ومطلوب ملامسته بشكل منطقي وموضوعي. فإذا أخلصنا في ذلك، سنضع أول مدماك حقيقي في عملية بناء الحصن الواقي، الذي كان يفترض أن يكون قائما منذ زمن بعيد..

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz