كشفت الحملة الانتخابية الأخيرة عن أن السودان يعاني من معضلات عديدة ومزمنة، وهي ليست مسؤولية حقبة الإنقاذ فقط، رغم أنها تفاقمت خلال السنوات العشرين الماضية.
فقد أوضح أداء المرشحين للرئاسة والدوائر الجغرافية والقوائم، أثر غياب الممارسة السياسية الديمقراطية لسنوات طوال. كما أن نوعية وقدرات المرشحين تؤكد التراجع الشنيع في التكوين السياسي والفكري للمرشحين، مقارنة بانتخابات عام 1986 مثلًا.
ويلاحظ أن البرامج الانتخابية أدنى كثيراً من عظم المشكلات التي عاشتها البلاد خلال أكثر من عقدين. وحتى لغة الخطاب الانتخابي والسياسي كانت شديدة التدني وسوقية في بعض الأحيان.
ورغم إتاحة فرص نسبية للجميع في الأجهزة الإعلامية، الا أن الأمر لم يتعد مزاج الونسة أو السجالية الحادة في أحسن الأحوال. ويمكن التنبؤ بنوعية الممثلين في المجالس التشريعية، وبالتالي الممارسة الديمقراطية المحتملة، وكيف يمكن أن تسهم في التقدم الديمقراطي؟
فالسودان، رغم التوسع في التعليم وازدياد عدد الحاصلين على شهادات عليا، إلا أن ذلك لم يصاحبه معادل فكري وثقافي مفترض في هذه الحالة.
انشغلت كثيراً بهذه الملاحظات المزعجة، وقلت في نفسي إن الأمر أخطر من تدوين مثل هذه الملاحظات العابرة.
بالتأكيد هناك خلل أصاب جذور المجتمع السوداني، وليس مجرد تحولات فوقية تمس طريقة الكلام أو التفكير أو الدعاية السياسية. فالسودان قام بأخطر عملية يمكن أن يرتكبها مواطنون في حق وطنهم.
فقد جنى السودانيون على أنفسهم، حين قاموا ـ بوعي أو لاوعي ـ باجتثاث النخبة الوطنية، التي يكلف تكوينها الكثير من المال والجهد والتضحيات. فقد تكفلت القوى السياسية منذ الاستقلال باقتلاع الخبرات والمتعلمين والمثقفين من جهاز الدولة، تحت مسميات تعددت والجريمة واحدة.
فالسودان، البلد الفقير والمتخلف، صرف على التعليم والتدريب بسخاء نادر. وهذا يعني من ناحية أخرى، أن البلاد تقدر وتحتاج لأي جهد يسهم به أبناؤه، حتى ولو كان صاحب شهادة ابتدائية.
ومن المنطقي ألا تفرط في ذلك المواطن، مهما كانت انتماءاته السياسية والأيديولوجية. ولكني لاحظت أن الميول السياسية والحزبية تطغى باستمرار على الروابط القومية والوطنية. وهذه ظاهرة لازمت تطور السودان منذ الاستقلال، اختلفت درجتها وحدتها، وبقيت الفكرة.
فمنذ فجر الاستقلال، تردد رواد الاستقلال في إقرار أحقية المواطن المؤهل في تقلد المناصب وخدمة بلاده.
ويبدي السيد خضر حمد، من آباء الاستقلال، ندماً على عدم الحسم في إبعاد «غير الوطنيين» عن الوظائف عند السودنة.
إذ يكتب في مذكراته: «والسؤال الثاني الذي يواجهنا دائماً ونحمل تبعته، هو أنه كانت لدينا الفرصة لنطهر الأداة الحكومية من المنافقين والذين تعاونوا مع الاستعمار ورفعهم على أكتاف الشعب لولائهم له ولإخلاصهم في خدمته.
وحملنا أيضاً تبعة ترقية الموظفين الذين ورثوا الانجليز، وجاءت بهم السودنة آلياً إلى المقدمة وهم من الساخرين بالحركة الوطنية» (1980:276).
فهو لا يعتبر فكرة التطهير خاطئة، ولكنه يقدم الاعذار والمبررات: «فقانون الخدمة العامة اضطرنا لأن نقدم الناس إلى الترقي وسودنة الوظائف، حسب أسبقيتهم لا حسب وطنيتهم».
ويرد على المتسائلين لماذا لم يفصلوهم بعد الاستقلال، بقوله: «اننا لم نمكث في الحكم بعد الاستقلال الا شهراً قضيناه في اجتماعات تحوم كلها حول الحكومة القومية التي لم تؤخرنا فقط عن أي عمل حاسم، بل كادت تؤخر الاستقلال نفسه لولا أن حزم الامر». (ص 277).
وكانت حادثة إبعاد متولي عيد، عن وظيفته كأول مدير سوداني للإذاعة، هي بداية التغول في الخدمة المدنية والتنازل عن شرط الكفاءة لصالح الولاء. يكتب يحيى محمد عبدالقادر، في كتابه «شخصيات من السودان»: «...
ولكن متولي عيد انتدب عقب قيام الحكومة الازهرية، للعمل برئاسة مجلس الوزراء ثم نقل إلى قسم الاحصاء بوزارة الشؤون الاجتماعية.
وكان هذا التصرف أول المعالم على تغلغل الروح الحزبية في الجهاز الحكومي» (ج 3 ص 348). وقد حل مكانه محمود الفكي، وهو من قادة حزب الاشقاء الحليف للازهري.
قام انقلاب عبود بملاحقة الشيوعيين والذين مثلوا النخبة الحديثة بعد الاستقلال، وحوربوا في ارزاقهم وسجنوا واعتقلوا بأعداد كبيرة، وكانت الحملة منظمة ومقصودة. وسجل الشيوعيون خسارتهم في وثيقة «ثورة شعب».
ولكن للمفارقة، كانوا هم الذين قننوا لاجتثاث النخبة السودانية برفعهم لشعار «التطهير واجب وطني»، خلال ثورة أكتوبر 1964.
وكان لهم الفضل في صك مصطلح «الفصل للصالح العام»! وتوسعوا في تطبيق القوانين «الثورية» على الإخوان المسلمين في السنوات الأولى لمايو 1969/ بهدف «تحطيم جهاز الدولة القديم» وفق المصطلح اللينيني. وتشرد الإخوان المسلمون السودانيون في السعودية والخليج، وجمعوا أموال التنظيم والدولة القادمة.
يمكن القول إن الفصل للصالح العام هو من أكبر انجازات انقلاب الاسلامويين في 30 يونيو/ حزيران 1989. فقد كان هاجسهم الامني قوياً، ويفرض عليهم الإبعاد السريع لأي عنصر معارض.
وكانت قوائمهم في كل الوزارات والمصالح جاهزة، جمعت اثناء معاركهم في انتخابات النقابات اثناء فترات الديمقراطيات. ولكن أخطر ما فعلته الانقاذ هو تسهيل الهجرة واللجوء.
فمن الغريب أن تصل هذه الاعداد الغفيرة إلى كل انحاء العالم، رغم وجود جهاز أمن يحبس الانفاس. فهذا هو الاجتثاث الفعلي الذي يقطع صلات النخبة بالبلاد تماماً. وبدأ السودانيون في بناء اسر جديدة ومنفصلة عن وطنها: جواز السفر، التعليم، الحياة الاجتماعية... الخ.
ولم يتوقف الاسلامويون عند ابعاد المعارضين المخالفين للتنظيم، ولكن بعد المفاصلة وانقسام الحركة إلى جناحين؛ طاردوا نصفهم الآخر: المؤتمر الشعبي. وقد نظرت إلى كتاب المحبوب عبد السلام الأخير من زاوية الموجة الجديدة للنخبة السودانية المبتورة.
هذا تاريخ عام، وبالتأكيد ستكون الأرقام مفزعة للمفصولين والمهاجرين والمغتربين منذ الاستقلال. وستكون النتيجة هي أن النخبة أو النخب التي ظل الاستعمار منذ بداية القرن الماضي، ثم واصل السودانيون بناءها، قد تم اجتثاثها أو اقتلاعها. لذلك من الطبيعي، أن ندخل هذه الانتخابات من دون طبقة وسطى مستنيرة، ولا نخبة حديثة.
لذلك علينا الا نستغرب حين يتحدث بعض المرشحين وكأنهم من دولة الفونج (1504) أو قادمين من المسبعات أو جبال تقلي؛ رغم الملابس الحديثة والأجهزة المبتكرة. وهذه من مخاطر الانتخابات الحقيقية، وليس التزوير في التسجيل أو القوائم المختلة.
المشكلة: كيف يفكر المرشحون وماذا لديهم من رؤى وحلول؟ وهل ينتمون إلى المستقبل؟ وهل يقدرون الصعوبات والمشكلات حق قدرها؟ وهل يستطيعون مواجهتها وفهمها وحلها؟!
كاتب سوداني
